محمد بن الطيب الباقلاني

317

الإنتصار للقرآن

أبيّ إلا الإخبار بأنّهما من وحي اللّه تعالى وكلامه ، ولم يجد من سأل أصحاب عبد اللّه عندهم إلا الإقرار بكونهما قرآنا وأنّه مذهب عبد اللّه ؛ انقطع الكلام والخوض وقلّ خطره ودرس ذكره ، وزالت الشبهة عن الناس في هذا الباب ، فلمّا نبغ الملحدون والمنحرفون والطاعنون على القرآن والسّلف ونصبوا الحبائل والغوائل في ذلك لأهل الإسلام وتطلّبوا لكفرهم وبدعتهم الأباطيل والتعاليل أكثروا وأعادوا وأبدوا بذكر سؤال زرّ لأبيّ عن ذلك ، وسؤال من سأل أصحاب عبد اللّه عن هذا الباب ، وخيّلوا للناس أنّ كلّ من سأل عن ذلك فإنّما كان يسأل لدفعه أن يكون قرآنا ، / ولظهور شكّ الناس في ذلك [ 196 ] ونزاعهم وتشاجرهم فيه ، وليس الأمر في ذلك على ما أوهموا به ، وإنّما قصدهم الطعن على الشريعة والقدح في نقل القرآن فقط ، فأمّا أن يكون على أحد من الصحابة والتابعين شكّ في أنّ المعوّذتين من كلام اللّه تعالى ووحيه وممّا أنزله على رسوله صلى اللّه عليه فمعاذ أن يكون ذلك كذلك . فإن قالوا : فلم زعمتم أنّه ليس في شيء مما ذكرتموه ، وقلتم إنّه هو الذي طرق سوء التأويل على عبد اللّه ، ما يدلّ على أنّه لم يكن معتقدا لجحد المعوّذتين وإنكاره أن يكون من كلام اللّه تعالى ؟ قيل لهم : يدلّ على ذلك أنّ إسقاطه للمعوّذتين من مصحفه يحتمل أمورا غير جحده لكونهما قرآنا وكلاما للّه تعالى ، فمنها : أنّه يمكن أن يكون إنّما لم يثبت الحمد والمعوّذتين في مصحفه لشهرة أمرهما في الناس وكثرة الحفّاظ لهما ودوام الصلاة بالحمد والمعوّذتين في كل ليلة ، وكثرة تعوّذ الناس بالناس والفلق ، واعتقاده أنّ حفظهما وحفظ الحمد في الناس فاش ظاهر لا يحتاج معه إلى إثباتهما وتقييدهما بالخطّ ، فدعاه ذلك إلى ترك إثبات هذه السورتين .