محمد بن الطيب الباقلاني

294

الإنتصار للقرآن

وأن يضعوا في ذلك كيف رأوا وأحبّوا ، فإن كان قد وقفهم على الترتيب وتأليف آياتها على النظام الذي هي عليه في الإمام فذلك ما نقول ، وإن كان قد نصّ لهم على التخيير في ذلك وجب أن يظهر هذا من دينه ويعرف من حاله وتتوفّر الدواعي على نقله وذكره ، وأن لا يسوغ أن يقع من الأمّة ترتيب للسّور وحصر لها وتتميّز بأسماء تدعى بها ، وأمور تذكر فيها ، كما أنّه لو نصّ صلى اللّه عليه على جواز تقديم الآية على غيرها وتأخير المتقدّم منها من كلماتها وحرفها وتقديم المتأخّر ، وعلى جواز القراءة من آخر السورة إلى أوّلها : لوجب أن يكون ذلك ظاهرا منتشرا عنه ومعلوما من دينه ، وفي العلم ببطلان ذلك وعدم ذكره ، وعمل الأمّة بخلافه بأخذهم أنفسهم ومن يعلّمونه بقراءة السورة على ترتيب آياتها ، وحظر تأخير المقدّم منها وتقديم المتأخّر وخلطها بغيرها : أوضح دليل على فساد هذا القول ، فأمّا نصّه على الترتيب الذي قلناه ، فقد ذكرنا تظاهر الأخبار به من قبل ، وبينّا أنّ عمل الأمّة مستقرّ بذلك ، وحاصل إلى اليوم . ويدلّ على ذلك أيضا ويوضحه ما قدّمنا ذكره من قول عبد اللّه بن مسعود وابن عمر فيمن يقرأ القرآن منكوسا : « ذاك رجل منكوس القلب » ، و « لو رآه السلطان لعاقبة » ، وقد بيّنا أنّ ذلك غير واجب في تقديم بعض السور على بعض ، فيجب أن يكون في تقديم بعض آيات السور على بعض ، وعلى أنّهما إن كانا عنيا بذلك تقديم بعض السور على بعض فلأن يكون تقديم بعض آيات السور على بعض وخلطها بغيرها أولى وأحرى أن تستحقّ ذلك ، فهذا أيضا يدلّ / دلالة قاطعة على علمهم بوجوب ترتيب آيات السور في الكتابة والتلاوة . ولو كان الأمر على ما يدّعيه السائل عن هذا الباب لم تحتج السور إلى أن يكون لها أوّل وآخر ، وابتداء وخاتمة ، ولم يكن على أحد في حفظ