محمد بن الطيب الباقلاني
295
الإنتصار للقرآن
القرآن كلفة إذا كان له خلطه وتلاوته كيف شاء ، ومما يدلّ أيضا على صحّة ما قلناه ويؤكّده ما رواه عبد الرحمن بن حرملة « 1 » عن سعيد بن المسيّب قال : « مرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه على بلال هو يقرأ القرآن من هذه السورة ومن هذه السورة ، قال : مررت بك يا بلال وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه ، فقال : بأبي أنت يا رسول اللّه ، إنّي أردت أن أخلط الطيّب بالطيّب ، فقال : اقرأ السورة على نحوها » « 2 » ، يعني صلى اللّه عليه : على نظامها وترتيبها من غير خلط لآياتها بغير ما هو منها ، وهذا نصّ على ما قلناه . ومما يدلّ على ذلك ويوضّحه ، أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه كان ربما سهى وأسقط من تلاوته آية فيستعيدها ممّن حفظها عنه ، وإذا أسقط آية وهو في الصلاة شعر بذلك من خلفه ، وكانوا يسألونه إذا فرغ ويقولون له : تركت آية كذا يا رسول اللّه ، ليتعلّموا بذلك أنّه قد سها ، أو حدث نسخ أو رفع وتغيير ، ولذلك قال له أبيّ وغيره في مثل هذا : « يا رسول اللّه نسيت آية كذا ، فقال : « نسّيتها » « 3 » ، ولو كان له أن يؤخّر ويقدّم ويضع موضع الآية غيرها ويجعل بعض آيات السورة في غيرها لساغ له أيضا أن يترك قراءة بعض السور ، ويزيد في ذلك وينقص منه ، ولم يكن لقولهم « نسّيت » أم « نسخت » معنى ، وكلّ هذا يدلّ دلالة قاطعة على أنّ الواجب رسم السورة وتلاوتها في الصلاة وغيرها على نظام آياتها وترتيبها .
--> ( 1 ) عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي ، روى عن ابن المسيّب وثمامة ، وروى عنه مالك ، قال ابن معين : صالح ، توفي سنة 144 ه - . « الكاشف » ( 2 : 143 ) . ( 2 ) أخرجه ابن أبي شيبة في « مصنفه » ( 7 : 200 كتاب فضائل القرآن ، باب الرجل يقرأ من هذه السورة وهذه السورة ) . ( 3 ) رواه ابن خزيمة في « صحيحه » ( 3 : 73 باب تلقين الإمام إذا تعايا أو ترك شيئا برقم 1647 ) .