محمد بن الطيب الباقلاني
273
الإنتصار للقرآن
على أنّه لو صحّت الرواية عن أبيّ بإثبات دعاء القنوت في مصحفه من وجه لا يمكن جحده والشكّ فيه لوجب أن يحمل ذلك منه على وجه لا يقتضي اعتقاد كونه قرآنا ومخالفة الجماعة في ذلك ، بل على ما يوجب موافقة الأدلة التي قدّمنا ذكرها ، وهو أن يكون أبيّ لمّا وجد دعاء القنوت وداوم عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وصار سنة متأكّدة وبابا من أبواب الشريعة وعملا من أعمال الصلاة يجب حفظه والمواظبة عليه : رأى أن يثبته في آخر مصحفه أو تضاعيفه إن كان مصحفه مثبتا على قدر ما كان من / [ 161 ] أخذه وحفظه للقرآن على غير ترتيب السّور وتاريخ نزوله ، لكي لا يذهب عليه كلمة ولا حرف من الدعاء ، لا على أنّه قرآن منزل ومما قد قامت الحجّة به ، فهذا غير ممتنع ولا مدفوع . ويمكن أيضا أن يكون لم يثبت دعاء القنوت في مصحفه ، ولكن في صحيفة أو ورقة كان فيها كلام أراد نقله وضمّه إلى المصحف ، وكما يتفق للنّاس مثل ذلك عند الحاجة إلى التعليق والضبط ، فلما حملت الصحف والرّقاع إلى أبي بكر الصدّيق رضوان اللّه عليه ليجمع ما فيها ويضمّه ويجعله إماما وجد دعاء القنوت في بعض ما كان عند أبيّ ، ثم درس ذكر ذلك والخوض فيه والسؤال لأبيّ عنه لعلمه بارتفاع الشّبهة عنه في أنّه دعاء ليس بقرآن ، فلما تمادى الزمان وجمع عثمان الناس على مصحفه وحرّقه جدّد ذكره لذلك مجدّدا وأعاده وأبداه ليجعل ذلك ذريعة إلى مخالفة عثمان وتسهيل سبيل لقرآن غير ما في مصحفه وظهوره . وقد يمكن أيضا أن يحمل أمر أبيّ في هذا الباب على غاية ما حاولوه من أمره ، وهو أن يقال إنّ ذلك إن صحّ عن أبيّ فإنّه إنّما فعل ذلك لأنّه اشتبه عليه دعاء القنوت وظنّ لفصاحته وبلاغته ووجدانه مداومة الرسول