محمد بن الطيب الباقلاني

227

الإنتصار للقرآن

فلا ينكر ذلك عليهم ، بل يخلّيهم وما عدوّا إذا لم ينقصوا من السورة ولم يزيدوا فيها شيئا ، ولا غيّروا من تأليف آياتها أمرا ، ولا قدّموا مؤخّرا ، ولا أخّروا مقدّما ، وإذا كان ذلك كذلك لم يلزمنا شيء مما قلتم ، لأنّه لا نصّ من الرسول على عدد الآي ومقاديرها . فإن قالوا : وما الدليل على ذلك ؟ قيل لهم : من الأدلّة عليه علمنا بأنّه لو كان صلى اللّه عليه قد نصّ لهم على عدد الآيات وقدر الكلام الذي يكون آية ، ومواضع الفصول من السور ، وضيّق عليهم معرفة ذلك وجعله من فرائض دينهم ، وحدّ لهم فيه حدّا أخذهم به وحده ومنعهم من تجاوزه أوجب أن يكون بيانه لذلك كبيانه لتأليف آيات كل سورة ، وكبيانه للقرآن نفسه ، ولوجب في مستقرّ العادة ظهور ذلك عنه ، وتوفّر الدواعي والهمم على ضبطه وذكره وحراسته وتقييده ، كما وجب عليهم بتأليف آيات كلّ سورة ، وبالقرآن نفسه ، / [ 127 ] ولارتفع الخلاف عليهم في ذلك والنزاع ، ولمّا لم يظهر ذلك ولم نجد أنفسنا عالمة بهذه الجملة من توقيف الرسول ودينه كما نجدها عالمة بتوقيفه على نزول جميع القرآن من عند ربّه ، وعلى تأليف آيات السور وكلماتها : علمنا أنه لا نصّ كان منه على هذا الباب ، ولا قول ظهر منه في ذلك ولا أمر يجب حفظه وإذاعته ، ولزم القلوب العلم به . ومما يقوّي ذلك ويشهد له أن ثبت أنّه قد وردت بهذه الرواية ، فروى يحيى بن سعيد الأموي « 1 » عن الأعمش عن . . . . . . . . . . .

--> ( 1 ) يحيى بن سعيد بن أبان الأمويّ الحافظ ، روى عن أبيه وهشام بن عروة وابن إسحاق ، وعنه ابنه سعيد صاحب المغازي ، وأحمد وإسحاق . ثقة يغرب عن الأعمش ، عاش ثمانين سنة ، مات سنة 194 ه - . قاله في « الكاشف » .