محمد بن الطيب الباقلاني
223
الإنتصار للقرآن
فهذا أمر منه لبلال ولكل قارئ لسورة بأن ينفذها ويقرأها على وجهها ، وهذه الرواية أظهر وأشهر من الرواية التي ذكروا فيها أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه قال : « كل ذلك حسن » ، فوجب العمل على التفضيل والتفسير الذي وردت به الرواية الزائدة . وقد يجوز أن يكون أراد بقوله : « كل ذلك حسن » لصنع أبي بكر وعمر فقط من الجهر والمخافتة ، وواجههما بذلك لمّا أقبل عليهما ، ولم يسمع الراوي تمام كلامه لبلال فأدرج القصة ولم يفصّل من غير اعتماد لتحريف على الرسول صلى اللّه عليه وطعن ، يتعلّق قوم من بعده بهذا في جواز خلط السور بعضها ببعض ، وبعض ترتيبها ، ومخالفة تاليها فلا تعلّق لهم في لفظ خبرهم - لو ثبت - مع جواز ما قلناه ، وقد روينا من قبل أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه قال لبلال عند ذلك : « اقرأ السورة على نحوها » ، وقد روي : « على وجهها » ، وروى ذلك سعيد بن المسيّب عن النبيّ صلى اللّه عليه / . وإذا كان ذلك كذلك بطل تعلّقهم بهذه القصة . فإن قالوا : أفليس قد روي أن عليا عليه السلام كان يقرأ سورة الأنبياء فأسقط آية ، ثم قرأ بعدها ثم رجع إليها فقرأها ثم عاد إلى الموضع الذي كان بلغ إليه ، وهذا فعل منه يدلّ على جواز تقديم بعض آيات السورة على بعض ومخالفة تأليفها ، ولولا أنّ ذلك عنده كذلك لم يستجز بعد أن رجع إلى ما أسقطه وقرأه أن يتبعه من الموضع الذي بلغ إليه ، وإنّما كان أن يتبعه بما يليه حتى يكون جميع ما قرأه إلى حيث بلغ ، ويصله بما بعده . يقال لهم : ليس في الأمّة ممن روى هذا الحديث ومن غير رواية ابن عمر أنّ عليا عليه السلام اعتمد ذلك وقصده ، بل كان من صحّح هذه الرواية عن ابن عمر أنّه فعل ذلك على طريق العذر ووجه السهو ، وأنّه لم يكن من دينه خلط آيات السور بعضها ببعض ، ونقصها ، ومخالفة ترتيبها وإفساد