محمد بن الطيب الباقلاني

213

الإنتصار للقرآن

ذلك عليهم من بدّعهم فيه ، فلم يحتجّوا لصواب فعلهم بكتابة عثمان بسم اللّه الرحمن الرحيم / في فواتح السور ، وأنّه لم يكن من القرآن في شيء ، ولو كانوا يعتقدون ذلك لسارعوا إلى الاحتجاج به ، ولم يجز على سائرهم إغفال هذا الأمر الظاهر الناقض لقول من خالفهم وبدّعهم ، فهذا أيضا يكشف عن أنّ إثبات عثمان والجماعة بسم اللّه الرحمن الرحيم لم يكن على وجه الفصل والافتتاح ، والعلامة تدل على أنه منزل من عند اللّه سبحانه . قالوا : فإن قال قائل : كيف يسوغ لكم أن تدّعوا أنّ أحدا لم يدفع أن تكون بسم اللّه الرحمن الرحيم آية منزلة عند كل سورة ، وقد وردت الأخبار عن الحسن البصري بأنه أنكر ذلك ، وقال لما سئل عنها : « صدور الرسائل » ، وصحّ عنه أنه كان لا يفتتح الجهر بها ويقول : « إنني رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه والأئمة من بعده لم يجهروا بها » « 1 » . يقال لهم : ليس في هذه الرواية ما يدل على إنكار الحسن لكونها آية منزلة في فواتح السور ، وإنما فيها أنه كان ينكر أن تكون من الحمد ولا بعدها آية منها ، ولا يرى الجهر بها ، وكل ذلك لا يدل على أنها ليست بآية

--> ( 1 ) قول الحسن : « إني رأيت رسول اللّه والأئمة من بعده لم يجهروا بها » ، الحسن لم ير النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فهو من التابعين ، وتحمل هنا ( رأيت ) على العلمية لا على البصرية ، فهي بمعنى ( علمت مما ورد عن النبي وأصحابه . . . ) ، وهذا الخبر مرويّ عن أنس رضي اللّه عنه في « الصحيحين » قال : « صليت خلف رسول اللّه وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم » ، وأحوال الصحابة ومن بعدهم في الجهر بالبسملة لا تعني عدم قرآنيتها ، وقد تم بيان ذلك . « نصب الراية » للزيلعي ( 1 : 329 ) . * قلت : وحديث أنس في عدم الجهر بالبسملة معلّ بعلة في متنه ، انظر تفصيلها في « تدريب الراوي » للحافظ السيوطي ( 1 : 254 - 257 ) .