محمد بن الطيب الباقلاني
183
الإنتصار للقرآن
وقد علم أنّ كثيرا من الحفّاظ وأهل الدّربة وإدمان درس القرآن يتهيّبون الصلاة بالناس مثل هذه السّور الطوال ، وما هو دونها بالشيء الكثير ، وهذا يقتضي أن أبا بكر كان حافظا للقرآن ، وليس بين هذين الخبرين معارض ، لأجل أنه ذكر في أحدهما صلاته بالبقرة ، وفي الأخرى صلاته بآل عمران ، ووقوع جواب واحد عن ذلك ، لأنه لا يمكن أن يكون ذلك في وقتين وفي صلاتين ، وأن يكون جوابه لعمر قد وقع له ولغيره بلفظ واحد ، وهذا غير مستنكر ولا بعيد . وقد تظاهرت الروايات بأن أبا بكر رضوان اللّه عليه بنى مسجدا بمكة قبل الهجرة في فناء داره ، وأنه كان يقوم بالقرآن فيه ويدعو / إلى اللّه وإلى [ 97 ] رسوله ، ويشتري عرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه ، ويزيّن صوته بالقرآن ، ويكثر بكاؤه ونشيجه ، فإذا كان ذلك منه أسرع عوامّ المشركين ونساؤهم وولدانهم يسمعون قراءته وتسبيحه ، حتى قالت عائشة رضوان اللّه عليها في خطبتها : « أبي وما أبيه ، أي واللّه لا تعطوه الأيدي ، ذلك واللّه طود منيف ، وظل مديد ، صدّق واللّه إذ كذّبتم ، وسبق إذ وثبتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد ، فتى قريش ناشئا وكهفها كهلا ، يكلأ عانيها ، ويريش مملقها ، ويرأب صدعها ، حتى خلبته قلوبها ، ثم استشرى في دينه ، فما برحت تلك شكيمته في ذات اللّه ، حتى اتّخذ بفنائه مسجدا ، يحيي به ما أمات المبطلون ، وكان رحمة اللّه عليه غزير الدمعة ، وقيد الجوارح ، شجيّ النّشيج ، فأصفقت إليه نسوان قريش وولدانها ، يسخرون منه ويستهزءون به ، اللّه سبحانه يستهزئ بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون ، وأكبرت ذلك رجالات قريش ، فحنّت له أفئدتها ، وفوّقت يمامها ، وامتثلوه عرضا فما ملوا له صفاة ، ولا قصفوا له قناة » .