محمد بن الطيب الباقلاني

161

الإنتصار للقرآن

بدعة مكروهة ، وأنّ الاجتماع لها ليس من المصلحة ، فلمّا عدل عن ذلك إلى القول بأنه إنما ترك ذلك مخافة أن تفرض عليهم ثبت أنّ هذه الصلاة والتجمّع لها سنة حسنة ، وأنه إنما امتنع من ذلك - مع إيثاره لها - خيفة أن تفرض ، فلما توفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وانختم الوحي وانقطعت الرسالة ، أمن فرض ذلك وزال الخوف منه عادت الصلاة والتجمّع لها إلى ما كانت عليه من الحسن ، واستحبّ لكل مسلم فعل مثل ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه فعله - على وجه التقرّب - ودعا إليه ، ورغّب فيه ، وقد تظاهرت الأخبار عنه صلّى اللّه عليه أنه كان يكثر الترغيب في هذه الصلاة ويحثّ على فعلها ، ويرى الناس مجتمعين للقيام بها وأفذاذا ، فيقرّ الفريقين جميعا ويستحسن ذلك من صنيعهم . وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء « 1 » أن القيام كان على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه في رمضان يقوم النفر والرجل كذلك ، والنفر وراء الرجل ، فكان عمر أول من جمع الناس على قارئ واحد ، ومن المحال أن يكثر هذا منهم ويتردّد على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه ولا يرى عليه السلام اجتماعهم ، ولا يسمع منه بذلك ، ولو كان الاجتماع لهذه الصلاة منكرا لأنكره وزجره عنه ، ورغّب في سواه ، وإنما ترك هو التقدّم بهم لعلة ما ذكره ، ولعلهم أو كثيرا منهم مجمّعون لأنفسهم ويبلغه ذلك فلا ينكر عليهم ، وكيف ينكر عليهم ذلك وهو يحثّهم ويبعثهم على هذه الصلاة والمحافظة عليها بغاية الترغيب ! ؟

--> ( 1 ) هو ابن أبي رباح ، واسم أبي رباح : أسلم ، القرشي المكي ، من الموالي ، ثقة فقيه فاضل ، لكنه كثير الإرسال ، من الثالثة ، مات سنة أربع عشرة ومائة على المشهور . « التقريب » ( 1 : 675 ) .