محمد بن الطيب الباقلاني

159

الإنتصار للقرآن

الرسول علمه ، وكل هذا طعن على من اعتقده في نفسه وأبدع في الدين ما لم يشرعه اللّه سبحانه ولم يسنّه رسوله ، فما العذر عندكم لعمر في هذا الباب ، وما المخرج له منه ؟ فيقال لمن اعترض بهذا من أغبياء الرافضة وأوغادها : ليس الأمر في هذا على ما توهّمتم ، بل ما وصفناه : من فضائل عمر الشريفة وسننه الرضيّة الحميدة التي رضيها المسلمون ، ونوّر بها مساجدهم ، وقوّى بها هممهم ودواعيهم على طاعة ربهم ، وحفظ كتابه ، وإعظام دينه ، وإقامة معالمه ، وكان ما صنعه / من ذلك متّبعا للرسول صلّى اللّه عليه وحاضّا على ما حثّ عليه ودعا إليه ورغّب فيه ، وذلك أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قد كان صلى بالناس هذه الصلاة في شهر رمضان ، جمعهم لها وقام بهم فيها ، ثم ترك ذلك مع إيثاره له ورغبته فيه خوفا من فرضه على أمته ، أو خوف توهّم متوهّم من بعده أنها لمداومة الرسول عليها من اللوازم المفروضات ، وأخبرهم بأنه إنما تركها لهذه العلة ، لا لقبحها ولا لكونها بدعة في الدين ، ولا لأجل أنها مفسدة للدين والمسلمين ، ولا مما يجب أن يزهدوا فيه ويرغبوا عنه . وروى أحمد بن منصور الرّمادي « 1 » عن عبد الرزاق عن معمر عن الزّهري عن عروة عن عائشة رضوان اللّه عليها قالت : « صلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه بالناس في شهر رمضان في المسجد ، ثم صلى الثانية واجتمع تلك الليلة أكثر من الأولى ، فلما كانت الليلة الثالثة والرابعة امتلأ المسجد حتى غصّ بأهله ، فلم يخرج إليهم ، فجعل الناس ينادونه الصلاة ، فلم يخرج ،

--> ( 1 ) هو الحافظ أحمد بن منصور بن سيار ، أبو بكر الرمادي ، مات سنة خمس وستين ومائتين . والرمادي نسبة إلى بلدة رمادة . « الكاشف » ( 1 : 28 - 29 ) .