محمد بن الطيب الباقلاني

158

الإنتصار للقرآن

وذكر أصحاب التواريخ أنّ عمر بن الخطّاب أمر بالقيام في شهر رمضان في المدينة ، وكتب إلى البلدان في سنة أربع عشرة ، ثم لم يزل كذلك طول سنينه وأيام نظره إلى أن مات رضوان اللّه عليه ، ولم يزل الأمر كذلك إلى أيام عثمان وعليّ والتلاوة تكثر ، والحفظ يتّسع ، والقرآن ينتشر ، والإصغاء إليه يحصل من الصغير والكبير ، والحاضر والبادي ، والقاصي والداني ، فلا يحفظ على أحد من الناس أنه قال في طول تلك الأيام : إنّ القرآن مبدّل ومغيّر ، ومزيد فيه ومنقوص منه ، ومرتّب على غير سننه ووجهه الذي أنزل / عليه ، ولا يقدح بهذا على راع ولا رعية ، ولا تابع ولا متبوع ، ولا يتناكر الناس شيئا مما يظهر بينهم منه ، ولا يتحزّن متحزّن ولا يتأسّف متأسّف على ضياع شيء منه ، ولا يطعن طاعن ، ولا يقدح قادح على تاليه ومقرئه وكاتبه وناسخه بتغيّر شيء منه ، أو الزيادة فيه ، أو النقصان منه ، وكل هذا يدلّ دلالة بيّنة على تكذّب من ادّعى تغيير القرآن وانقطاع نقله وخفاء أمره ، وقلة حفّاظه ، وانصراف همم الناس ودواعيهم عن حفظه وإحرازه ، وأنه لو وقع فيه تغيير أو تبديل ، أو زيادة أو نقصان ، أو مخالفة في الترتيب لسارع الناس إلى نقل ذلك والمذاكرة به ، والتذامر لأجله ، والإبداء والإعادة له ، وفي فقد العلم بذلك دليل على بطلان ما يدّعونه من هذا الباب . فإن قال قائل : هذا الفصل من الكلام ومن فعل عمر وسيرته وإن كان شاهدا لكم على ما قلتم ، وحجة لصحة ما اعتقدتم ، فإنه من أوله إلى آخره طعن على عمر وقدح فيه ، وغضّ في عمله وقدره ، لأنكم جميعا تشهدون عليه بأنه أحدث في هذا الباب سنّة لم تكن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه ، وفعل ما لم يره الرسول صوابا ، وقدّم رأيه لرأي النبي صلّى اللّه عليه ، واعتقد أنه قد استدرك من مصلحة الأمة وحسن الاحتياط لها ما ذهب على