رمضان خميس الغريب
144
الإمام محمد الغزالي ( جهوده في التفسير وعلوم القرآن )
في هذا المقام فظهر أن ذكر القدرة وسعة الملك إنما يناسب الآيات بمعنى الدلائل دون معنى الأحكام الشرعية والأقوال الدالة عليها من حيث هي دالة عليها لا من حيث هي دالة على النبوة ويزيد هذا وضوحا قوله عقبة : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ « 1 » فقد كان بني إسرائيل لم يكتفوا بما أعطى موسى من الآيات وتجرءوا على طلب غير بها وقالوا يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً « 2 » وكذلك كان فرعون وقومه كلما رأوا آية طلبوا غيرها حتى رأوا تسع آيات بينات ولم يؤمنوا ، وقوله تعالى كَما سُئِلَ مُوسى يشمل كل ذلك . . وهذا التفسير الذي تتصل به الآيات بعضها مع بعض على وجه يتدفق بالبلاغة وهو الذي يتقبله العقل ويستحليه الذوق إذ لا يحتاج إلى شئ من التكلف في فهم نظمه ولا في توجيه مفرداته « 3 » ) وقد علق الشيخ رشيد رضا - رحمه اللّه - على هذا في هامش الكتاب « 4 » ، بأنه بعد نشر هذا التحقيق في المنار بزمن طويل علم أن الشيخ . محيي الدين بن عربى سبق إلى مثله فذكره مختصرا في تفسير له كتبه على طريقه المفسرين دون الصوفية . وأكد الشيخ محمد عبده رأيه هذا بنظرته في القراءة الواردة في ( ننسها ) وهي ( ننسأها ) وهي قراءة ابن كثير وأبى عمرو « 5 » أي نؤخرها قال ( ولا يظهر هذا المعنى في مقام نسخ الأحكام كما يظهر في نسخ الآيات والمعجزات المقترحة على الأنبياء فإن الآية التي تقترح على نبي لأنها كانت لنبي قبله قد تنسخ بآية جديدة خير منها أو مثلها وقد تؤخر بالآية الجديدة ثم يعطى في وقت آخر بعد الاقتراح ولكن تأخير آيات الأحكام ليس له معنى ظاهر « 6 » ) .
--> ( 1 ) البقرة آية 108 . ( 2 ) البقرة من الآية 55 . ( 3 ) انظر تفسير الحكيم ج 1 ص 417 ، 418 : ( 4 ) انظر هامش ج 1 ص 418 . ( 5 ) انظر البحر المحيط ج 1 ص 343 ط دار الفكر . ( 6 ) انظر تفسير القرآن الحكيم ج 1 ص 419 .