محمد يوسف الشربجي
43
الإمام السيوطي وجهوده في علوم القرآن
الناحية العلمية إذا كان هذا هو حال العصر من الناحية السياسية - فساد واضطراب - ومن الناحية الاجتماعية - تفكك وضياع - فإن الناحية العلمية فيه جاءت على غير ذلك - تقدم وازدهار - فقد ازدهرت الحركة العلمية في مصر عصر سلاطين المماليك ازدهارا كبيرا ، فغدت البلاد محورا لنشاط علمي متعدد الأطراف ، في حين تضاءلت أهمية المراكز الثقافية الأخرى في العالم الإسلامي ، ويرجع السبب في ذلك إلى ما أصاب أنحاء العالم الإسلامي في العراق على أيدي المغول ، وفي الأندلس على أيدي الصليبيين ، زيادة على ما أصاب بلاد الشام من أضرار على أيدي الصليبيين والمغول جميعا . في وسط تلك الغمّة التي ألمّت بالوطن العربي منذ القرن السابع الهجري لم يجد علماء المشرق والمغرب بلدا عربيا آمنا تطيب لهم فيه الحياة سوى مصر التي غدت مركزا للخلافة العباسية : « وصارت محل سكن العلماء ومحط رحال الفضلاء » « 1 » فنمت في القاهرة مراكز العلم ، ودور المعرفة وانتشرت فيها المكتبات ، وازدهرت حركة العلم ، وأصبحت مصر ملاذ العلماء ومأوى طلبة العلم ، يتوافدون إليها من أطراف البلاد الإسلامية وانتقل عدد من العلماء إليها ، وظهرت في بلاد الشام ومصر مراكز ثقافية جديدة فكان لها دور مهم في الحركة الثقافية .
--> ( 1 ) السيوطي ، حسن المحاضرة ، 2 / 94 ، ولعل هذا الكلام من السيوطي يوافق الصواب إذا كان المقصود بالخلافة هو هذا المنصب الديني الرفيع ، والذي ينظر إليه نظر احترام وتقديس ، وقد عبّر عنه أحد المؤرخين ب « الرمز الروحي الجليل » . انظر محمود رزق سليم ، عصر سلاطين المماليك ، 2 / 20 .