محمد يوسف الشربجي

44

الإمام السيوطي وجهوده في علوم القرآن

ولم يمنع الاضطراب السياسي الداخلي الذي ساد مصر أيام المماليك من نشوء نهضة علمية ، كان لها أكبر الأثر في نشر الثقافة الإسلامية وتطورها ، ولعل أغرب ما يروى في تاريخ الشرق هو ذلك التناقض الحاصل في دولة المماليك فقد امتزج الفساد والقسوة والوحشية بالرقي في الحضارة المادية والتقدم المعماري والفني والعلمي « 1 » . لقد أسهم سلاطين المماليك إسهاما فعالا في تنشيط حركة العلم والمعرفة فبنوا المساجد والمدارس والخوانق « 2 » ، وأنشئوا خزانات الكتب ، وعيّنوا من يشرف على ذلك من العلماء والموظفين ، وأجروا عليهم المرتبات ، ومنحوا طلبة العلم المكافآت حتى غدت مصر في أيام المماليك ميدانا واسعا لنشاط علمي كبير يدل عليه ذلك التراث الضخم من الموسوعات في شتى العلوم والفنون « 3 » . مما أدى إلى نشاط الحركة الثقافية تشجيع المماليك لها ، فلقد برز من بينهم سلاطين كان لهم اهتمام بالعلوم وولع ببناء المدارس ومؤسسات التعليم ، وكان كثير من هؤلاء السلاطين ذوي ثقافة عالية ، شغوفين بالمجتمع المثقف والدراسات الأدبية والعلمية ، فالملك الظاهر خشقدم ، كان فصيح اللسان بالعربية ، يقرأ القرآن ، وله بعض اشتغال بالعلم مع أنه رومي الجنس من الأرناءوط « 4 » . وكذلك الملك الظاهر تمربغا قال عنه ابن إياس « . . وكان

--> ( 1 ) انظر على سبيل المثال حسن الباشا وآخرين كتاب ( القاهرة فنونها ، آثارها ) لترى مدة عظمة الحضارة المعمارية في ذلك الوقت . ( 2 ) الخوانق : جمع خانقاه ، وهي كلمة فارسية معناها البيت ، والاسم مركب من كلمتين خوان وكاه ، فالخوان : مائدة الطعام ، وكاه : المكان ، فيكون الخانقاه مكان مائدة الطعام أو محل إطعام الطعام ، وقد أصبح خاصا بالمتصوفين ، لأنهم يقيمون بين جدرانه لا يفارقونه . المقريزي الخطط : 2 / 414 ، وانظر تعليق الدكتور محمد مصطفى زيادة في حاشيته على السلوك 1 / 182 . ( 3 ) العصر المماليكي في مصر والشام ص 230 . ( 4 ) بدائع الزهور : 3 / 456 ، وانظر الضوء اللامع : 3 / 175 - 76 .