محمود توفيق محمد سعد
87
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
وهو في تقسيماته هذه لا يستند إلى كتاب اللّه سبحانه وتعالى ولا سنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ولا أثر عن صحابي ، ومثل هذا لا يقال اجتهادا ، فليس في المباحث العقدية اجتهاد إلا الاجتهاد في فهم النّص ، ونصوص الكتاب والسنة في باب العقيدة قطعية الدلالة لا يفتقر المرء معها إلى تأويل يحتمل وجوها متنوعة أو متقابلة ، لأن الاختلاف في باب العقيدة اختلاف في مجال الحق والباطل ومجال الصواب والخطأ ، فللحق العقدي وجه واحد وطريق واحد ومصادر الفقه العقدي مصدران لا ثالث لهما قطعا : الكتاب والسنة ، وليس للإجماع والقياس مجال بخلاف مصادر الفقه الشرعي ( السلوكي ) فإنها أربعة عند الجمهور : الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، ونصوص الكتاب والسنة في باب التشريع متسعة الدلالة ومجال الاختلاف ليس بلازم أن يكون الصواب والخطأ قطعا والحلال والحرام قطعا ، ومن هنا كان هنالك مجال للاجتهاد في التأويل . فما كان للبقاعيّ أن يذهب إلى تقسيم التوحيد تلك الأقسام من غير أن يتخذ له سندا من الكتاب والسنة . ويعرض لما جاء عن الحلاج وابن عربي وابن الفارض فيسفه ما جاء عنهم ، وموقفه منهما ليس هو موقفه من سائر الصوفية فإنه ليلقى غير قليل من كبارهم بالإجلال ، ولا سيما سلفهم ، ومن لا يقول بوحدة الوجود ، والحلول الذي ظهر في مقولات ابن الفارض وابن عربي . ويبين معنى " جمع الجمع " عند القوم من الصوفية وعلاقته بدرجة " الإحسان " والفرق بين " الذوق " و " العلم " وبين حكمة تفريق أدلة التوحيد في القرآن الكريم ، وما جاء فيه من آيات الأحكام والقصص وهو معنى بتبيان موقع الآية في سياقها وبتفسير وتحليل مفردات الآية ولا سيما ما فيها من الأسماء الحسنى وتحليل جملها . يقول في بيان مناسبتها ما قبلها : " ووجه نظمها بما قبلها أنّه لمّا ابتدأ سبحانه وتعالى الفاتحة بذكر الذات بالاسم الأعظم الخاصّ الجامع لجميع الصفات ثمّ تعرّف بالأفعال ؛ لأنّها مشاهدات ، مرقي الخطاب إلى التعريف بالصفات ، ثمّ أعلاه رجوعا إلى الذات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة [ البقرة ] بصفة الكلام ؛ لأنها أعظم المعجزات ، وأبينها على غيب الذات ، وأوقعها في النفوس لا سيما عند العرب ، ثمّ تعرّف بالأفعال ، فأكثر منها فلمّا لم يبق لبس أثبت الوحدانية بآيتها السابقة [ ي : 254 ] التي حثّ فيها على الإنفاق قبل هجوم