محمود توفيق محمد سعد

88

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

يوم التلاق ، يوم انقطاع الأحساب والتواصل بالأنساب يوم لا ينجي عند الحساب إلا ما شرعه سبحانه وتعالى من الأسباب ، وكذا ما قبلها مما شاكلها مخللا ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام وأنواع الترغيب والترهيب في محكم الرّصف والترتيب فلما تمت الأمور وهالت تلك الزواجر ، وتشوقت الأنفس ، فتشوفت الخواطر إلى معرفة سبب انقطاع الوصل بانبتار الأسباب ، وانتفاء الشفاعة في ذلك اليوم . . . بيّن سبحانه وتعالى صفة الآمر بما هو عليه من الجلال والعظمة ونفوذ الأمر والعلو عن الضّدّ والتنزه عن الكفؤ والنّدّ والتفرد بجميع الكمالات والهيبة المانعة بعد انكشافها هناك أتمّ انكشاف ؛ لأن تتوجّه الهمم لعيره ، وأن تنطق بغير إذنه ، وأن يكون غير ما يريد ؛ ليكون ذلك أدعى إلى قبول أمره ، والوقوف عند نهيه وزجره ولأجل هذه الأغراض ساق الكلام مساق جواب لسؤال ، فكانّه قيل : هذا ما لا يعرف من أحوال الملوك ، فمن الملك في ذلك اليوم ، فذكر آية الكرسيّ سيدة آي القرآن . . . " وهذا يبيّن لك أنّ اسم الجلالة في صدر آية الكرسيّ في تأويل البقاعي إنما هو مسند إليه ، وخبره محذوف دلّ عليه السؤال المقدر المنسول من السياق الذي أقيمت فيه آية الكرسي ، فكأن المعنى اللّه الملك ذلك اليوم ، وهذا الباء يفيد القصر بتعريف الطرفين ، فكأنه قيل لا ملك في ذلك اليوم إلا اللّه ، لتأتي الجملة التالية مصرحة بما ألاحت به الأولى ومؤكدة مضمونها فقالت ( لا إله إلّا هو ) يقول البقاعي : " فقال ( اللّه ) أي الملك الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى والجلال والإكرام هو الملك في ذلك اليوم ، ثمّ بيّن ما تقدّم بأن أثبت له صفات الكمال منزها عن شوائب النقص . . . " فالبقاعي يشير إلى أنّ الجمل المتوالية في بناء آية الكرسي قامت مقام التبيين والتفصيل لما أحكم في الجملة المصدرة بها هذه الآية ، وهي جملة أفرد اسم الجلالة منها بالذكر . وهو في خواتيم تأويله الآية يقول : " كلّ جملة استؤنفت ، فهي علة لما قبلها ، واردة على سبيل البيان لما ترتب عليه ، والبيان متّحد ، كما قال الزمخشريّ بالمبيّن ، فلو توسط بينهما عاطف لكان كما تقول العرب : بين العصا ولحائها . ذلك نزيد مما تكاثر في تأويله سيدة آي القرآن الكريم .