محمود توفيق محمد سعد
324
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
تخريج البيان على غير ظاهر الحال تناسقا مع السياق ولقصد المنصوب له الكلام . ومن البين أن الجمع هو ما قابل الإفراد فيدخل فيه التثنية لأن في التثنية جمعا بين شيئين ، وهدي النبوة أن الاثنين جماعة ، وما نرتضيه صلاة نرتضيه بيانا . من ذلك قول اللّه : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ ] ( البقرة : 25 ) جاء وصف الجمع ( أزواج ) مفردا ( مطهرة ) ومقتضى الظاهر أن يقال ( مطهرات ) ولكنّ البيان عدل عنه إلى الإفراد إشارة إلى أنهنّ وإن تعددن في الجنة لعلى نهج سواء في الطهر ، ودفعا لمظنة أنّهن في تعددهن متلبسات بما يتلبس به أزواج الدنيا حين يتعددن لزوج من رديء الأخلاق ، فدلّ على أنهن في تعددهن على قلب زوج واحدة لا نقص ولا تباين ، وتلك غاية المتعة ، وكأنّه نزع من تعدد الأزواج في الجنة من المفسدة مثل ما نزع من الخمر في الجنة . يقول البقاعي : " لمّا ذكر السكن الذي هو محل اللذة وأتبعه المطعم المقصود بالذات ، وكانت لذة الدار لا تكتمل إلا بأنس الجار لا سيما المستمتع به قال ( ولهم فيها ) أي مع ذلك ( أزواج ) ولما كنّ على خلق واحد لا نقص فيه أشار إليه بتوحيد الصفة ، وأكد ذلك بالتعبير بالتفعيل إعلاما بأنّه عمل فيه عمل ما يبالغ فيه بحيث لا مطمع في الزيادة فقال ( مطهرة ) . . . " « 1 » مذهب البقاعي في إفراد ( مطهرة ) أعلى من مذهب القائلين بأنّ الإفراد والجمع هنا لغتان فصيحتان « 2 » فهذا لا يغني في الفقه البياني لما اصطفاه القرآن الكريم وأعلى من الذهاب إلى أنّ الإفراد أخفّ من الجمع ، فإذا اجتمعا تفادوا الثقل بالالتفات إلى الإفراد « 3 » فمثل هذا ينقده قوله
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 196 ( 2 ) - السابق : الكشاف : 1 / 262 ، أنوار التنزيل للبيضاوي وحاشية الشهاب الخفاجي : 2 / 45 ( 3 ) - التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور : 1 / 357