محمود توفيق محمد سعد

317

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

الفعل من إشارة إلى القوة في إيقاع الموالاة ، فإن مادة " أخذ " آتية للدلالة على قوة الفعل وأن صاحبه إنما يجتهد في إيقاعه أو أنّ أثره جدّ عظيم بليغ ، وهذا ما أنت مدركه في أفعال هذه المادة في البيان القرآني الكريم ، فتآذر مدلول الصيغة والمادة على عظيم تصوير النهي في هذه الآية . ويقف عند آية من بعدها تؤكّد ذلك المعنى القائم في ذلك النهي الجليل ، يقول الحق عزّ وجلّ في سورة ( المائدة : 57 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فهذا من تصريف معاني البيان القرآني الكريم ترسيخا للمعنى الرئيس في القلوب وتوجيها إلى معاني أخرى جديرة بالملاحظة . يقول البقاعي : " ولمّا نبه سبحانه وتعالى على العلل المانعة من ولاية الكفار وحصر الولاية فيه سبحانه وتعالى أنتج ذلك قطعا قوله منبها على علل أخرى موجها للبراءة منهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي أقروا بالإيمان ، ونبه بصيغة الافتعال على أنّ من يواليهم يجاهد عقله على ذلك اتباعا لهواه ، فقال لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا أي بغاية الجدّ والاجتهاد منهم " دينكم . . هزوا ولعبا . . . " « 1 » ففي الآية السابقة كان فيها المناداة بقوله " بعضهم أولياء بعض " وكأنّ فيه إغراء الذين آمنوا ألّا يكونوا دونهم في هذا فلا بدّ أن يكون الذين آمنوا بعضهم أولياء بعض لا أولياء غيرهم ، ولهذا أردف هذا الإغراء بالترهيب والتنفير بقوله وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ وهذه لا يطيقها من في قلبه ذرة من إيمان ، لأن فيها إعلانا بانتفائه من جماعة الذين آمنوا وارتكاسه في هاوية اليهود والنصارى وفي النهي الثاني جاء قوله : الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً إحماء لهم وحملا على أن يتخذوا موقف الغيرة والأنفة من أن تكون لهم مودّة مع من يقف من الإسلام موقف الهزء واللعب ، فلو أنّك طلبت ذلك ممن فيه ذرة من عقل من المنتسبين إلى الإسلام أن يرتضى بصداقة من يستهزئ بالإسلام لاعتصم وأبي أن يكون منه ذلك ، فكم من موغل في عصيانه لا يرضي بأن يمسّ مشرك دينه بهزء ، وإن كان هو الغارق في الخروج على هديه وشريعته ، فتعريف المفعول به باسم الموصول :

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 6 / 194