محمود توفيق محمد سعد
318
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً فيه من الإبلاغ في التنفير من الفعل المنهى عنه ما فيه . * * * من الصيغ التي كثر مجيء الفعل عليها في البيان القرآنيّ الكريم صيغة ( تفعّل ) بتضعيف العين و ( تفاعل ) ، فيلتفت البقاعي إلى استبصار تناسب كلّ مع السياق الذي تقوم فيه والقصد الذي يساق البيان بعبارتها إليه يتدبر قول اللّه : عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى فيرى في هذا البيان بالفعل ( تولّى ) بصيغته تلك إبلاغا في التكريم والملاطفة لسيدنا محمد صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ، فيقول : " . . . آذن بمدحه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا بأنّ ذلك [ أي العبوس والتولي ] خلاف ما طبعه عليه من رحمة المساكين ومحبتهم والسرور بقربهم وصحبتهم بقوله ( وتولّى ) أي كلف نفسه الإعراض عنه رجاء أن يسلم أولئك الأشراف الذين كان يخاطبهم ، فيتأيّد بهم الإسلام ، ويسلم بإسلامهم أتباعهم ، فتعلو كلمة اللّه ؛ لأجل ( أن جاءه الأعمى ) " « 1 » أبان " البقاعي " مدلول صيغة ( تولى ) ، وأنّه وإن يكن في ( عبس ) ما يوحي ظاهره بمخالفة الأولى ، فإن في صيغة ( تولى ) إيذانا بالمدح الكاشف عمّا جبل عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ، فإنّ في الاقتران بين الفعلين وكلّ منهما بصيغة دالّ على المقام العليّ الذي كان عليه النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ، فهذا التولي لم يك منه على منهاج فطرته بل كان الحامل نفسه على أن تفعل ذلك حرصا على ما فيه صالح الإسلام أولا وصالح " ابن أم مكتوم " ثانيا ، ثم صالح أولئك الصناديد ثالثا ومما يزيد المعنى انكشافا ما جاء من البيان عن فعل التصدي لهؤلاء الصناديد بقوله : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى يقول : " ولما ذكر العبوس والتولي عنه ، فأفهما ضدهما لمن كان مقبلا عليهم ، بيّن ذلك ، فقال : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى أي طلب الغنى وهو المال والثروة ، فوجده ، وإن لم يخش ، ولم يجيء إليك فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى أي
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 21 / 250 - 251