محمود توفيق محمد سعد
316
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
* * * ويبصر " البقاعي " في صيغة " افتعل " داخلا عليها النهي ما لا يبصره في غيرها ، كما في قوله تعالى في سورة ( المائدة : 51 ) : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ جاءت هذه الآية الكريمة في سياق التنفير من التلبس بشيء من الولاء لمن كان على غير ما يرضي الحق عزّ وجلّ ، وقد بالغت الآيات السابقة عليها في ذلك التنفير الذي تنخلع منه قلوب الفاقهين فرقا من التلبس بشيء منه ، وإن كان أهل الضلالة ممن على أبصارهم غشاوة يؤذّنون فينا صباح مساء بفرية التآخي الإنساني على اختلاف العقائد ، واختصاص عبدة العجل وأهل الصليب بمزيد من الاعتناء بذلك التآخي وهم لا يحملون في ظلمات صدورهم إلا البغض والحنق والحقد على كل مسلم يقول البقاعي : " ولما بيّن عنادهم وأنّ عداوتهم لأهل هذا الدين التي حملتهم على هذا الأمر العظيم ليس بعدها عداوة ، نهى من اتّسم بالإيمان عن موالاتهم ؛ لأنّه لا يفعلها بعد هذا البيان مؤمن ولا عاقل ، فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي أقروا بالإيمان ، ولمّا كان الإنسان لا يوالي غير قومه إلا باجتهاد في مقدمات يعملها وأشياء يتحبب بها إلى أولئك الذين يريد أن يواليهم ، أشار إلى ذلك بصيغة " الافتعال " ، فقال : لا تَتَّخِذُوا أي أنّ ذلك لو كان يتأتى بسهولة لما كان ينبغي لكم أن تفعلوه ، فكيف وهو لا يكون إلا ببذل الجهد الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ أي أقرباء تفعلون معهم ما يفعل القريب مع قريبه ، وترجون منهم مثل ذلك ، وهم أكثر الناس استخفافا بكم وازدراء لكم . . . " « 1 » البقاعي ناظر هنا إلى جبلّة الإنسان السّويّ ، وأنّه مفطور على أن يمنح ولاءه لمن كان من قومه القائمين لنصرته ظالما أو مظلوما وأنّ ذلك حين يأتي منه إبلاء غيرهم فإنّه لا يكون منطلقا من معدن فطرته وجبلته ، بل هو المتكلف المتعمل لذلك والحامل نفسه على أن تأتي ما ليس لها به أن تقاربه من غير دربة وممارسة ، إنّه حين يفعل تلك الموالاة لمن يناصب قومه العداء إنّما يصمّ أذنيه ويوصد أبواب قلبه أمام نداء الفطرة ونداء الوحي الكريم ، فيتجاوز بصنيعه هذا حواجز عديدة ، وهذا ما توحي به صيغة الافتعال التي جاء فيها الفعل المنهي عنه مما أعطى النهى قوة ووكادة ، وزاده - فيما أراه - ما في مادة
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 6 / 186