محمود توفيق محمد سعد

313

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

السياق - إذن - وطبيعة الحدث وفاعله أو مفعوله هو المستوجب صيغة معينة لكلّ عنصر ، وأنّ كلّ عنصر في البيان خاضع لهيمنة مبدأ موحد وروح واحد هو السياق والمقصود الأعظم . وقد رأيت البقاعي يتلبث عند كثير من مدلولات هيئة الكلمة القرآنية ويتدبر تناسب وجوه هذه الهيئة مع السياق والقصد ، وكأنّه ناظر في هذا إلى مقالة الإمام " عبد القاهر " : " لا يكفي في علم الفصاحة أن تنصب لها قياسا ما ، وأن تصفها وصفا مجملا ، وتقول فيها قولا مرسلا ، بل لا تكون من معرفتها في شيء حتى تفصّل القول وتحصّل ، وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم وتعدها واحدة واحدة ، وتسميها شيئا شيئا ، وتكون معرفتك معرفة الصّنع الحاذق الذي يعلم علم كل خيط من الإبريسم الذي في الديباج ، وكلّ قطعة من القطع المنجورة في الباب المقطّع ، وكلّ آجرّة من الآجرّ الذي في البناء البديع " « 1 » * * * الذي مضى كان نظرا في صيغة الفعل المضارع والماضي المجرد ، أو الذي ليس لمجرده استعمال أو غلبة استعمال في معناه ، فلم يكن البيان بالمجرد عدولا عن المزيد لأمر منظور في التجرد والزيادة ، ولم أغفل النظر فيما صاحب هذين الفعلين من صيغ أفعال وأسماء كان يجمل حسن التدبّر على أن توقى في هذا المقام حقها من تدبّر التناسب ، فلا يكون هذا من قبيل الخلط البغيض ، فإنّ التبصر فيه إنّما كان غير مسوق إليه سوقا رئيسا بل هو من مستتبعات النظر . وبنا حاجة إلى أن تكون لنا من بعد هذا محاولة لتدبر البيان بالفعل المضارع والماضي المزيد المنظور إلى صيغة الزيادة فيه وتناسب مدلولها مع السياق والقصد المسوق له الكلام يتوقف " البقاعي " متدبرا البيان القرآني الكريم بصيغة الفعل المجرد ( فعل ) في باب الصالحات ، وبصيغة الفعل ( افتعل ) في باب السيئات في قول اللّه سبحانه وتعالى : ( البقرة : من الآية 286 ) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ يقول البقاعي : " لها " أي خاصا بها " ما كسبت " وذكر الفعل مجردا في الخير إيماء إلى أنّه يكفي في الاعتداد به مجرد وقوعه ، ولو مع الكسل بل ومجرد نيته .

--> ( 1 ) - دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني :