محمود توفيق محمد سعد
314
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
قال " الحرالّيّ " : وصيغة " فعل " مجردة تعبر عن أدنى الكسب ، فلذلك من همّ بحسنة ، فلم يعملها كتبت له حسنة . انتهى " وعليها " أي بخصوصها " ما أكسبت " فشرط في الشّرّ صيغة الافتعال الدّالة على الاعتمال إشارة إلى أنّ من طبع النفس الميل إلى الهوى بكليتها ، وإلى أنّ الإثم لا يكتب إلا مع التصميم والعزم القوي الذي إن كان عنه عمل ظاهر كان بجد ونشاط ورغبة وانبساط ، فلذلك من هم بسيئة ، فلم يعملها لم تكتب عليه . وربّما جاءت العبارة بخلاف ذلك لمعنى في ذلك السياق اقتضاه المقام " « 1 » * * * ويقول في قول اللّه سبحانه وتعالى : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ( النور : 11 ) " وصيغة الافتعال من " كسب " تستعمل في الذّنب إشارة إلى أنّ الاثم يرتب على ما حصل فيه تصميم وعزم قويّ صدقه العمل بما فيه من الجد والنشاط وتجرد في " الخير " إشارة إلى أنّ الثواب يكتب بمجرد فعل الخير بل ونيته " « 2 » ويبقى النظر في قول البقاعي : " وربما جاءت العبارة بخلاف ذلك لمعنى في ذلك السياق اقتضاه المقام " وهو قول عليّ : لم يأت الجمع بين " كسب " و " اكتسب " في غير هذه الآية الكريمة ، والذي هو غالب اتيان الفعل المجرد : " كسب " مفردا مرادا به الخير حينا ومرادا به الشرّ حينا آخر . مادة : " ك - س - ب " جاءت سبعا وستين مرة ، كان للفعل المجرد منها " ثنتين وستين " مرة ، وكان للفعل المزيد " اكتسب " خمس " مرات الفعل المجرد جاء حديثا عما هو سيئة في مواضع منها قوله عزّ وجلّ : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( البقرة : 81 ) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( البقرة : 225 )
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 4 / 177 ( 2 ) - السابق : 13 / 223