محمود توفيق محمد سعد
303
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( البقرة : 36 ) قوله : « الشيطان : هو مما أخذ من أصلين : من الشطن وهو البعد الذي منه سمى الحبل الطويل ، ومن الشيط الذي هو الإسراع في الاحتراق . . . فهو من المعنيين مشتق كلفظ " إنسان " و " ملائكة » « 1 » لفظ الشيطان مشتق من أصلين أي منحوت منهما وهو مسترض هذا النّهج في النّحت ؛ لأنّه يرى فيه جمعا بين مدلولين في لفظ واحد يحصل من اجتماعهما تناسب عال مع السياق والقصد ، فيقول : « ذكر الحق سبحانه وتعالى الإزلال منه - أي عدو اللّه - باسم الشيطان لا باسمه ؛ لما في معنى الشيطنة من البعد والسرعة التي تقبل التلافي ، ولما في معنى الإبلاس من قطع الرجاء ، فكان في ذلك بشرى استدراك آدم عليه السّلام بالتوبة » « 2 » البيان بكلمة " إبليس " في سياق ترك السجود دال على ما هو آخذ بخناق عدو اللّه في هذا السياق من اليأس وقطع الرجاء في أن يكون من أهل التفضيل والقرب ، فأوحى اصطفاء هذه الكلمة : " إبليس " في هذا السياق بالصورة الجوانية لإبليس عندما أمر بالسجود عند امتناعه مما أمكر به ، وهذا يصور لنا عظيم العذاب الذي أقيم فيه عدو اللّه بهذا فيعين فقه هذا العبد على أن يعرف الدوافع التي تحمل عدوّ اللّه على أنّ يقف من أبناء آدم عليه السّلام موقف العداء المستعر ، فلا يأمن الإنسان له ولا يطمئن إلى ما يغريه به من فتن الحياة الدنيا . والبيان بكلمة " الشيطان " في سياق إغواء أبينا آدم عليه السّلام دالّ على ما هو منته إليه جهاده في إغواء أهل الطاعة : إنّ أثره لمتناه متلاش في سرعة ، فكل محاولة منه مع من كان متسما بالفقه لحاله وموقفه إنّما مصيرها الاحتراق ، وكلّ محاولة من محاولات الإغراء محترقة بالتوبة النصوح إذا ما ثاب الإنسان إليها ، وليس أخسر ممن يحترق جهاده العظيم في الإغواء بكلمة صادقة يقولها المرء يصوّر بها ما يعتلج في صدره من الندم والمخافة . ويمكنك أن تستثمر مقالة " الحرالّيّ " فترى أن كلمة " إبليس " في دلالتها على " اليأس والتحير تشير إلى أنّ عدوّ اللّه في أوّل أمره عندما أمر بالسجود كان حائرا بين قياسات عقله وموازناته بين الطين والنار
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 287 ( 2 ) - السابق : 1 / 288