محمود توفيق محمد سعد

304

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

، ونداءات القلب بالتسليم للأمر الإلهي بالسجود ، عاش أولا في حيرة ، ثمّ مال إلى صوت العقل وقياسه ، فجهر قائلا : " أنا خير منه " ، " أأسجد لمن خلقت طينا " ، أمّا الملائكة فقد خضعت للتسليم المطلق لمراد اللّه عزّ وجلّ منها ، ولم تقف موقف التحير الذي وقفه " إبليس " ، فترتّب على ما مال إليه " عدو اللّه " أن طرد من رحمة اللّه سبحانه وتعالى ، وأحرق بغضبه تعالى عليه ، فكان شيطانا مدحورا محروقا بلعنة اللّه عزّ وجلّ « 1 » ولعله ممّا يقرب هذا أنّ القرآن الكريم لا يطلق كلمة " إبليس " إلا على أول الشياطين وجودا وهو المأمور بالسجود . ولو أنّ كلمة " إبليس " استخدمت في سياق الإغواء والإغراء لكان في هذا اقناطا عظيما لبنى آدم ، ولكن فيض الرحمانية والرحيمية تجلى في اصطفاء كلمة " الشيطان " في هذا السياق . وهذا من لطائف المعاني الإحسانية للقرآن الكريم التي لا يلتفت إليها إلا أهل الإحسان في فقه بيان القرآن الكريم . * * * مجمل القول هنا أنّ الكلمة في سياقها لا تستمد مدلولها ووجه دلالته عليه من مادتها الاشتقاقية التي تولدت منها فحسب ، بل هي تستمد ذلك من روافد عديدة ، منها المادة ، والصورة التي تكون عليها ، وموقعها الذي تقع فيه ، ومنهاج أدائها ، بل ومذهب رسمها وكتابتها . . . إلخ وهذه الروافد لا يتعاند عطاؤها بل يتساند ويتفاعل ، وقد يكون بعضها أظهر وأكثر ، ولكنّه لا ينفى عطاء الآخر . ولهذا فإنّه إذا ما كان " البقاعي " قد عنى بما بين مدلول مادة الكلمة وسياقها والمغزى الذي ينصب له الكلام من تناسب وتناسج ، فإنّ له عناية أيضا بمدلول صيغة الكلمة وهيئتها وتناسبه مع السياق والمقصد الذي يقام الكلام من أجله ، وهو باب وسيع فسيح ، من أنّ صيغ الكلمات وهيئاتها في العربية كثيرة بل متكاثرة ، واستقصاء ذلك ووعيه فوق ما تطيق النفس ، وما يتسع له المقام ، مما يقتضي اكتفاء ببعض غير قليل

--> ( 1 ) - لعلّ في هذا عبرة لمن رغب في نتاج عقله ورغب عمّا جاء به الوحي كتابا وسنة ورأى بقياساته أنّ استصلاح حاله بما ينتهي إليه تفكيره ، تقديما للمصلحة المظنونة أو المتوهمة على ما استنبط من البيان العليّ المعجز قرآنا وسنة ، ومنادة بأنّ الشرع نزل لنا فهو لما نراه استصلاحا لحالنا ، ولسنا مخلوقين للشرع نقصر على ما جاء وإن رأينا أنّه لا يتواءم مع حالنا في عصرنا ومصرنا ، وقد كثر المعتنقون لتلك الفلسفة في زماننا وديارنا ، وتنادوا بأنهم زعماء التنوير