محمود توفيق محمد سعد
286
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
وفي الكلمة قراءة أخرى : قرأ عطاء بن أبي رباح ( فناظره ) بالألف : اسم فاعل ، والهاء ضمير مضاف إلى اسم الفاعل أي فمن أنظر المدين فهو إلى ميسرة . في هذه القراءة إشارة إلى البشرى بأنّ من ينظر المدين المعسر فإنّ حاله وأمره كلّه بسبب من لإنظاره له يكون إلى ميسرة . ففي هذا مجاوبة لما جاء به بيان النبوة : " . . . ومن فرّج عن مسلم فرّج اللّه عنه كربة من كربات يوم القيامة " ( متفق عليه : البخاري : المظالم ، ومسلم البر ) وقراءة رابعة فيها : قرأ عطاء أيضا ( فناظره ) بإسكان الراء على أنه فعل أمر على معنى فياسره وسامحه إلى وقت الإنظار ، فهو من المناظرة أي المسامحة والمداناة ، وليس من المناظرة بمعنى المحاجة والمجادلة . كذلك يتبين لك أن في الآية وجوها من الأداء وأنّ في هذه الوجوه تناسبا مع السياق فإنّ الآية معقودة لدعوة المسلم إلى أن يكون في عون أخيه وألا يكون إقراضه له من وراء الانتفاع بما يأخذه منه بل الانتفاع بما يكتسبه من ثواب اللّه عزّ وجلّ ثمّ بما يحققه للأمّة من الشعور بالتآلف والتناصر ، وهذا إذا شاع في أمّة طهّرها من كثير من الأدواء التي تنهك قواها وتهتك قوامها وتردي في مذلّة الفرقة والتناحر والتغافل والتشاغل عن الاعتناء بأحوال الإخوان ، وذلك هو الدّاء التي تؤتى منه الأمّة . * * * * * إنّ كلّ عنصر من عناصر البيان ولا سيّما البيان القرآنيّ لذو أثر بليغ مجيد في بناء المعنى وتصويره وتحبيره ، قد تخفى علينا نحن ملامح ذلك الأثر ، ولكن هذا لا يصح أن يكون مدعاة إلى نفي وجوده ، ولو أنّ المرء نفى كل ما لا يرى لكان الأمر جدّ خطير ، إنّ من رأس الإيمان في الإسلام الإيمان بالغيب ، فوجب أن يقف المرء عندما يعلم غير ناف وجود ما لا يعلم . * * * الوقوف على ما جاء في هذه الآيات من قراءات هو من باب العلم النافع ، والدراسة العربية تحتفى بمثل هذا ، فكثرة القراءات في الآية فيه من فيوض المعاني ما يعين العباد على أن يقوموا في رياض الطاعة ، وأن تفتح أمامهم سبل القرب من خالقهم وليس كمثل التيسير المحكم بأصول العلم على العباد كيما لا تنفر نفس عن رحاب الطاعة