محمود توفيق محمد سعد
285
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
استشعر في قراءة ضم السين من ( عسرة ) ملاحظة حال من كان عسره شديدا فحقّه لا محالة إنظاره بمقدار عسره ، فإن زال كان لصاحب الدين مطالبته . وفي إسكان السين من ( عسرة ) ملاحظة لحال من كان عسره خفيفا فحقه أن ينظر أيضا على قدره ولا يحرم من الإنظار ، ولو جاءت الرواية بضم السين وحدها لكان في هذا حرمان من كان عسره يسيرا من رحمة الإنظار ، وفي إنظار ذي العسر اليسير تربية وتدريب على التخلق بالرحمة والإحسان والتفضل . وفي قوله ( نظرة ) وجوه من الأداء بعضها ليس من القراءات العشر : قرأ الجمهور ( فنظرة ) بكسر ( الظاء ) فهو خبر محذوف أي فالواجب نظرة وقرأ الحسن ومجاهد والضحاك ( فنظرة ) بسكون ( الظاء ) وهي من تخفيف ( نظرة ) وهي على لغة في تميم : يقولون في كلمة : كلمة . وكأنّ في هذه الآية تخفيفا على صاحب المال من وجه وترغيبا له في الإنظار من وجه وإيحاء له أنّ الإنظار إنّما هو خفيف فلا يحسب أنّ في دعوته إليه أثقالا عليه قراءة كسر ( الظاء ) فيها إلاحة إلى أن يكون الإنظار تاما قويا مستوليا على حال المعسر ، وأن يتمكّن صاحب المال من تحقيق هذا الواجب : الإنظار ، وهذا فيه تربية على الإحسان والإتقان والتنفيس على ذوي الحاجة والعسر وفي إسكان الظاء معنى إباحة أن يكون الإنظار على قدر الإعسار دون فضل ، وإلاحة إلى أنه ليس بالعسير تحقيقه على صاحب المال ، فهي قراءة ناظرة لحال صاحب المال من وجهين ، وجه هو من حقه ووجه فيه نفع له بالتربية والإغراء والتحريض على ألا يستثقل الإنظار فإنّه خفيف وإن طال أمده . فأهل الهمم العالية يلمحون في إسكان الظاء إغراء لهم بالتحمّل وتصويرا لهم أنّ ذلك غير عسير عليهم بل هو في حقيقته خفيف بما كان من تخفيف صوت وسط الكلمة . ( ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) ( النساء : 59 ) وأهل الهمة الدانية ينظرون إلى أنّ في الإسكان إشارة إلى حقهم في ألّا يكون الإنظار بالغا تمام كمال زوال الإعسار . كلّ يقرأ في وجه الأداء ما يليق به ( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) ( الزمر : 55 )