محمود توفيق محمد سعد

283

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

من قرأ بالخطاب لاحظ جانب المقبل ؛ لأنّ النعم في الحقيقة إنما خلقت له ( الأعراف : 32 ) فهو مقدم لذلك ، فليكن أداء الآية ملاحظا ذلك في بعض الوجوه ومن قرأ بالغيبة لاحظ جانب التدليل الذي هو أساسا للمعرض كيما يقتنع من هذه الجهة فلاحظته قراءة الغيبة . سياق آية النحل كما ترى محتمل الوجهين معا المقبل والمعرض فكانت الروايتان . وسياق ( الملك ) للعرض وحده وللرد على المكذبين ( الآيات : 15 وما بعدها ) فهو سياق لا يحتمل توجيه الخطاب في هذه الآية ، ولأنها أيضا لم تأت لتهديد المعرضين كسابقتها ولاحقتها بل لبيان أن من يخسف بالجبارين بسلطان القهر يملك القدرة على أن يمسك الطير الضعيف بفيض رحمته فلا يقع ومن ثمّ كان التعبير في آية الملك بقوله ( إلا الرحمن ) بينما في آية النحل ( ما يمسكهن إلا اللّه ) . * * * * وننظر في آية أخرى اقتبس البقاعي فيها تأويل صورة الأداء من الحرالّيّ ولكنّه لم يضف إليه شيئا وكان بملكه أن يفعل ، مما يبن لنا وجها من منهجه في هذا قال عزّ وجلّ : وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( البقرة : 280 ) في قوله ( عسرة ) قراءتان ( بضم السين وبإسكانها ) ، وفي ( ميسرة ) قراءة بضم السين وقراءة بفتحها وقراءة بضم السين وكسر الهاء المشبعة . يقول " ابن مهران " : " قرا أبو جعفر وحده ( وإن كان ذو عسرة ) بضم السين ، وقرأ الباقون ( عسرة ) ساكنة السين قرأ نافع ( فنظرة إلى ميسرة ) بضم السين ، وروى " زيد " عن يعقوب ( إلى ميسرة ) بضم السين وكسر الهاء مشبعة ، وقرأ الباقون ( إلى ميسرة ) بفتح السين " « 1 » في الآية وجوه من الأداء ، وكل وجه له فيض من المعنى المتناسب مع السياق المديد والقصد الوسيع الذي يجمع الأمة فيمنح كل ذي درجة شيئا من عطائه ، يقول البقاعي مقتبسا من " الحرالّيّ " :

--> ( 1 ) - المبسوط في القراءات العشر : 137 ، والنشر : 2 / 136