محمود توفيق محمد سعد

262

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

يقول : " لمّا أجمل سبحانه وتعالى في اوّل هذه الآية ( ي : 28 ) أوّل أمرهم وأوسطه وآخره على الوجه الذي تقدم أنّه منبّه على الكفر ينبغي أن يكون من قبيل الممتنع لما عليه من باهر الأدلة شرع يفصّله على وجه داع لهم إلى جنابه بالامتنان بأنواع الإحسان بأمر أعلى في إفادة المقصود مما قبله على عادة القرآن في الترقي من العالي إلى الأعلى ، فساق سبحانه وتعالى ابتداء الخلق الذي هو من أعظم الأدلة على وحدانيته مساق الإنعام على عباده . . . فقال ( هو ) . . ( الذي خلق لكم . . ما في الأرض ) بعد أن سواهن سبعا . . . ( جميعا ) . . . ولم كانت السماء أشرف من جهة العلو الذي لا يرام . . . عبر في أمرها ب " ثمّ " فقال ( ثمّ استوى إلى السماء ) . . . ( فسوّاهنّ سبع سماوات ) . . . وخلق جميع ما فيها لكم . فالآية من " الاحتباك " : حذف أولا كون الأراضي سبعا لدلالة الثاني عليه ، وثانيا كون ما في السماء لنا لدلالة الأول عليه . وهو فنّ عزيز نفيس وقد جمعت فيه كتابا حسنا ذكرت فيه تعريفه ومأخذه من اللغة وما حضرني من أمثلته من الكتاب العزيز وكلام الفقهاء وسميته : " الإدراك لفنّ الاحتباك " . . . . " « 1 » أبان البقاعي لنا ما كان محذوفا لدلالة القرينة المقالية عليه ، ولم يبيّن لنا هنا الوجه البيانيّ لحذف ما حذف وذكر ما ذكر ، وكما أنّه لم يبين لنا هنا تعريف ( الاحتباك ) وإن كان قد عرّفه في موضع آت من بعد . لعلّ وجه حذف ما حذف في الآية أنّ المحذوف وهو جعل الأرض سبعا والمدلول عليه بذكر جعل السماوات سبعا أنّ جعل السماوات سبعا من الغيب الذي لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي ، ولن يكون بملك العلم في طور من أطواره إلى قيام الساعة أن يطلع عليه بأدواته ومناهجه . فنحن حتى يومنا هذا لم نر سماء واحدة من تلك السماوات ، وما تتبصره عيوننا ليس هو السماء في حقيقتها ، بل هو حجاز أزرق بين أبصارنا والسماء أمّا جعل الأرض سبعا فذلك أمر قد يكون للعلم سبيل إلى عرفانه ، على أنّ في سورة ( الطلاق ) ما يدل على ذلك اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً

--> ( 1 ) - نظم الدرر : ج 1 ص 219 - 225