محمود توفيق محمد سعد

263

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

( الطلاق : 12 ) وفي السنّة النبوية تصريح بذلك ، روى الشيخان : " من أخذ شيئا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين " ( البخاري : بد الخلق ، والنص له ، ومسلم : مساقاة ) وكذلك جعل ما في السماوات لنا لمّا كان لا يتبيّن لكثير من العباد بخلاف ما في الأرض حذفه ، وذكر ما هو ظاهر أمره للعباد كافة . ، وطوى ما كان أمره غير ظاهر لهم جميعا تحقيقا لتمام الإبلاغ بالامتنان بذكر النعمة ، فجمع لنا بين نعمة إعلامنا بما لا سبيل لنا إلى علمه إلا بالوحي وهي نعمة عليّة جدا لا يقدرها حقّ قدرها إلا من يعرف لنعمة المعرفة والعلم قدرها ، ويعرف لبلية الجهالة والضلالة خطرها ، وأن العرفان حياة والجهالة موت ، ونعمة الامتنان بأنّ ما في الأرض لنا ، فعلينا أن نحرص على أن نحسن استثماره لما فيه حسن المآب والمعاد ، وأنّ من غفل عن حسن استيعاب استثمار ما في الأرض قد خسر خسران مبينا ، ولو أننا عدنا ببصيرتنا إلى قوله جلّ جلاله هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وتدبرنا هذا التعريف للطرفين ( هو ) ( الذي ) ودلالته على التخصيص المؤذّن بالتوحيد ، وأنه ليس من جاعل ذلك إلا اللّه سبحانه وتعالى ، وتذوقنا تقديم ( لكم ) المفيض في قلوب أهل العرفان فيوض الأنس والمحبة والاستشراف إلى معرفة نوال الحبيب لهم ، فانظر كم يكون شوق المحب إلى معرفة ما يهديه محبوبه له حين يشار إليه أن له منه عطية ؟ ! ! ! فكيف إذا ما كان النوال من رب العالمين ؟ ! ! وتذوق طلاقة العطية في قوله ( ما في الأرض ) وما تشير إليه العبارة من آيات حفظه وكنّه عن أيدي من لا يستحقون ، وأنّ العطية من كريمها على معطيها لم يجعلها على ظاهر الأرض تلامسها أيدي من ليسوا لها بأهل ، بل جعلها ( في الأرض ) هذه الظرفية دالة على عظيم الحفظ أولا لجليل المكنون ، وعلى فريضة الجد في الطلب إيمانا بعظيم قدر المكنون من النوال . وتدبر قوله ( جميعا ) وهي ذات دلالة متسعة : تحتمل أن تكون حالا من الضمير في ( لكم ) أي لا فرق بينكم في هذا إلا بمقدار سعيكم في تحصيل نوال ربكم إليكم ، وهذا منسول من معنى قوله ( رب العالمين ) وقوله ( الرحمن ) في صدر سورة الفاتحة ، فهما اسمان دالان على وسيع فضله وأنّه متجعل على كل خلقه بفيوض من الربوبية الرحمانية . ويحتمل أن يكون حالا من مفعول ( جعل ) أي جعل ما في الأرض جميعه لم يبخل بشيء منه على أحد من خلقه إن كان أهلا لأن ينال .