محمود توفيق محمد سعد

261

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

والتدبر البيانيّ لبيان العربية عموما وبيان القرآن الكريم خصوصا وهو ما يسمّى : " الحذف التقابليّ " ، أو " الاحتباك " . كانت للبقاعيّ عناية بالغة بليغة بتأويل هذا الأسلوب ، ولو أنّا جمعنا مقالاته فيه في تفسيره لكان لنا من ذلك سفر يكون لنا عوضا عن كتابه الذي صنفه وألفه فيه وسماه ( الإدراك لفن الاحتباك ) . « 1 » أول ما يلقاك من هذا في تفسيره تأويلا لهذا الأسلوب تأويله قول اللّه عزّ وجلّ : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( البقرة : 29 )

--> ( 1 ) - يقول السيوطي في كتابه : ( التحبير في علم التفسير ) " النوع الثالث والسبعون : الاحتباك هذا النوع من زياداتي وهو نوع لطيف ولم نر أحدا ذكره من أهل المعاني والبيان والبديع وكنت تأملت قوله تعالى : ( لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً ) ( الإنسان : 13 ) والقولين اللذين في الزمهرير ، فقيل هو القمر في مقابلة الشمس ، وقيل هو البرد فقلت لعل المراد به البرد ، وأفاد بالشمس أنّه لا قمر فيها ، وبالزمهرير أنه لا حرّ فيها فحذف من كلّ شق مقابل الآخر . وقلت في نفسي : هذا نوع من البديع لطيف لكني لا أدري ما اسمه ولا أعرف في أنواع البديع ما يناسبه حتى اقادني بعض الأئمة الفضلاء [ يقصد شيخه البقاعيّ ] أنّه سمع بعض شيوخه قرر له مثل ذلك في قوله تعالى ( فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ ) ( آل عمران : 13 ) . . . . . قال : وهذا النوع يسمى بالاحتباك . قال الإمام الفاضل المذكور : وتطلبت ذلك في عدة كتب فلم أقف عليه وأظنه في شرح الحاوي لابن الأثير ، ثمّ صنّف المذكور في هذا النوع تأليفا لطيفا سماه ( الإدراك في فن الاحتباك ) . . . . . ثمّ وجدت هذا النوع بعينه مذكورا في شرح بديعية أبي عبد اللّه بن جابر لرفيقه أحمد بن يوسف الأندلسي ، وهما المشهوران بالأعمى والبصير ، قال مما نصّه : " من أنواع البديع : " الاحتباك " وهو نوع عزيز ، وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني ، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول ، كقوله تعالى ( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ . . . ) ( البقرة : 171 ) التقدير : مثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعق والذي ينعق به ، فحذف من الأول : الأنبياء لدلالة الذي ينعق عليه ، ومن الثاني : الذي ينعق به لدلالة الذين كفروا عليه . . . ) ( التحبير للسيوطي : 128 - 129 - ط : دار الكتب العلمية : 1408 - بيروت وانظر معه : " طراز الحلة وشفاء الغلة لأبي جعفر الرعيني الغرناطي - ص : 508 - ت : رجاء السيد الجوهري - مؤسسة الثقافة الجامعية - الإسكندرية ، وانظر البرهان للزركشي : 3 / 129 ، والإتقان للسيوطي : 3 / 182 ، شرح عقود الجمان 133