محمود توفيق محمد سعد

254

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

يقول البقاعيّ من بعد ط ولمّا قصر نفسه الشريفة على الإنذار ، وكانوا ينازعونه فيه ، وينسبونه إلى الكذب دلّ على صدقه وعلى عظم هذا النبأ بقوله جلّ جلاله : ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( صّ : 69 ) فهو يلمح في قول اللّه سبحانه وتعالى ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ . . . دلالة على صدقه فيما يخبر به عن ربه دمغا لدعواهم أنّه كذّاب ، ويلمح فيه تأكيد مفهوم القصر في ( إنما أنا منذر ) على الوجه الآخر وكأنّ القصر في ( إنّما أنا منذر ) قد اكتنفه ما يهدي إلى أنّه يقصر نفسه على الإنذار وينفي عنها ما يرميه به بعضهم من دعوى الإلهية والقدرة على الإتيان بما يهددهم به ، وينفي عنها ما يرميه به الآخرون من أنّه كذّاب ، فالتركيب حامل الدلالة على انتفاء الوصفين بمعونة السياق والقرائن المكتنفة . * * * ولننظر في نمط تركيبي آخر عليّ المنزل ماجد العطاء كريمه : أساسه منازل الكلم في بناء الجملة يعرف عند علماء البيان بالتقديم والتأخير . والوقوف على منازل الكلمات ومجالات حركتها في بناء الأسلوب ذو أهمية مجيدة وهو في الوقت نفسه ذو صعوبة بالغة ، ولعلّه لذلك كانت عناية عبد القاهر الجرجاني بالتقديم والتأخير ومنازل الكلمات ورتبها في بيان عمود بلاغة الكلام ( النظم ) فقد أكثر من الإشارة إلى التقديم والتأخير والترتيب ، وأفرد للتقديم فصلا خاصا في دلائل الإعجاز استهله بتوطئة نبيلة يقول فيها : " هو باب كثير الفوائد جمّ المحاسن واسع التصرف بعيد الغاية لا يزال يفترّ لك عن بديعة ويفضي بك إلى لطيفة ، ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه ويلطف لديك موقعه ، ثمّ تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قدّم فيه شيء وحوّل اللفظ عن مكان إلى مكان " « 1 » توطئة عليّة النظم والصياغة أرى أنها قد صيغت على نهج يكشف به الإمام عن شيء من منزلة التقديم والتأخير في نظم البيان ، وفي الوقت نفسه يغرينا بالتلبث عند ذلك المنهاج البياني لنوفيه بعض حقه ولتجتنى بعض ثمره .

--> ( 1 ) - دلائل الإعجاز لعبد القاهر : 106 - ت : محمود شاكر - ط : المدني - مكتبة الخانجي