محمود توفيق محمد سعد

255

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

وهو قد فعل مثل ذلك مع باب ( الحذف ) ومع باب ( الفصل والوصل ) وهي أبواب كاد يستكمل القول فيها في موطنها . والبقاعي ذو عناية بأسلوب التقديم والتأخير والترتيب ، بل هو يجعل التقديم والتأخير والترتيب في بناء الجملة ممّا أسماه النظم التركيبي . لا يكون تقديم إلا إذا كان هناك عدول بالشيء عن محله الذي هو له في الأصل ، فكلّ ما وضع على أن يكون سابقا فلا يكون من التقديم المبني على العدول دلالة على مرغوب في الإبانة عنه ، فتقديم أدوات الاستفهام أو النفي لا يقال إنّ من ورائه معنى يسبق المتكلّم بالتقديم إليه سبقا اقتضى منه مصنعا واختيارا ، بل هو تقديم من أصل اللغة ، وقائم فريضة في كلّ لسان متكلم بالعربية ، فلا فضل للمتكلم في هذا التقديم ، بل الفضل - وهو قائم متقرّر - لفطرة لسان العربية المبين . ومثل هذا تقديم الخبر شبه الجملة على المبتدأ النكرة لا يكون من ورائه سبقا قد رمى إليه المقدّم له على ما هو الفطرة البيانية في العربية بل ترى في تقديم ذلك المبتدأ حين إذ سبقا إلى سعي للدلالة على معنى لا يكون إلا بذلك السبق المبني على العدول عما هو أصل الفطرة البيانية ومن ثمّ فأنّ التقديم ينظر في عدول الكلمة أو المقدم عن محله الذي له إلى محل سابق ، وهذا قد يستصحبه عدول عن الاسم الذي كان له أو لا يستصحبه . وإذا ما كان البلاغيون المتأخرون قد كانت عنايتهم مصروفة أوّلا إلى تقديم أحد ركنى الجملة على الآخر ، ثمّ تقديم المتعلقات على ما تتعلق به أو ما أسند إليه ما تتعلق به أو تقديم المتعلقات بعضها على بعض فإنّ البقاعيّ تمتدّ نظرته إلى تقديم عناصر عديدة سواء ما كان من ركني الجملة أو قيودها أو متعلقاتها . * * * * * يقول الحق جلّ جلاله : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ( الأنبياء : 1 ) ينظر البقاعيّ في نظم الآية ، فيرى تقديما لمتعلق الفعل وتأخير أللفاعل ، فيبيّن لنا أنه " جاء البيان بتأخير " الفاعل " وتقديم متعلّق الفعل ، لأنّ في هذا التأخير " تهويلا ، لتذهب النّفس في تعيينه كلّ مذهب " « 1 »

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 12 / 379