محمود توفيق محمد سعد
250
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
هو في تأويله التخصيص الذي يطلق عليه البلاغيون ( القصر ) معنيّ بأمور منها طرائقه ودلالتها وعلاقة ذلك بالسياق وبالقصد القريب أو البعيد أحيانا تراه يصرّح بأنّ طريق " النفي والاستثناء هو أصرح أنواع الحصر فيقول في قول اللّه سبحانه وتعالى : فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى * لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( والليل : 14 - 16 ) " لمّا كان قد تقدّم غير مرة تخصيص كلّ من المحسن والمسئ بداره بطريق الحصر إنكارا لأن يسوّى محسن بمسيء في شيء ، وكان الحصر ب ( لا ) و ( إلا ) أصرح أنواعه قال ( لا يصلاها ) أي يقاسي حرّها وشدّتها عن طريق اللزوم والانغماس ( إلا الأشقى ) أي الذي هو في الذروة من الشقاوة ، وهو الكافر " « 1 » تبصّر قوله " أصرح أنواعه ، فهذا دالّ على أنّه ناظر في طريق ودرجة دلالته على معنى الحصر ، وهذا من خصائص علم البيان " علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه " كما يقول " الخطيب " في " الإيضاح " وهو يبين لنا وجه اقتضاء المقام البيان بأصرح طرق التخصيص النفي والاستثناء المقام قاض بألا يكون لبس البتة في التفريق بين مصير المحسن والمسئ ودار كلّ في أخراه ، فكان لزاما أن يكون الحصر بأداة دلالتها
--> والكناية كما قد يتوهم بعض طلاب العلم ، وما هذه الثلاثة : التشبيه والمجاز والكناية إلا أظهر وأشهر ، ولكنها ليست بالمحصور فيها علم البيان . وعلم المعاني هو العلم الذي ينتهج النظر في المعاني من حيث هي ، وفي تأليف الصور الدالة عليها فطريقة التأليف بين مكونات أسلوب الاحتباك أو اللف والنشر أو الاستخدام أو الالتفات أو التقييد والإطلاق أو التوكيد أو المقابلة أو المزاوجة أو حسن التقسيم وغير ذلك إنما هو من علم المعاني ، فالفرق بين العلمين فرق في المنهج الذي يدرس به الأسلوب وليس فرقا في ذات الأساليب التي يدرسها كل علم ، فلا يقال التقديم والحذف والفصل من علم المعاني وحده مثلما لا يقال التشبيه من علم البيان أو الجناس وردّ الأعجاز من علم البديع ، الأمر مرده إلى منهاج التناول والدرس ، وليس إلى الأسلوب الذي يدرس فكل أسلوب يدرس في العلوم الثلاثة بمناهج ثلاثة لكلّ علم منهاجه ومثل الذي قلته في التخصيص نقوله في غيره . ( 1 ) - نظم الدرر : 22 / 94