محمود توفيق محمد سعد
251
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
على الحصر دلالة وضعية لا يتوقف فيها أحد ، ولا تكون لها دلالة على غيره في أيّ سياق آخر ، فالنفي الاستثناء المفرّغ يستفاد منه معنى الحصر بطريق الوضع - ولا تجد هذا الطريق دالا على غير الخصيص بحال ، بخلاف إنما أو التقديم أو التعريف . . . . والبقاعي ينظر في موضع آخر للحصر بالنفي والاستثناء ، واصطفائه من بين طرق الحصر الأخرى يقول اللّه جلّ جلاله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( البقرة : 174 ) إذا ما نظرت في هذه الجملة رأيت أنّ خبر المسند إليه المعبّر عنه باسم الإشارة جاء جملة بنيت من أسلوب قصر طريقه النفي والاستثناء ، والنظر يقف عند كلمتين من عناصر هذه الجملة الواقعة موقع المسند : " يأكلون " و " النّار " فيحسب حاسب أنّ في كلّ تحولا دلاليّا ، ولكنّ البقاعي يرى في اصطفاء النفي والاستثناء طرق حصر في الآية مانعا يمنع حسبان التجوز ، فيقول : " وفي ذكره بصيغة الحصر نفي لتأويل المتأول بكونه سببا ، وصرف له إلى وجه التحقيق الذي يناله كشف يقصر عنه الحسّ ، فكانوا في ذلك كالحدر الذي تحصل يده في الماء ولا يحسّ به ، فيشعر ذلك بموت حواس هؤلاء عن حال ما تناولوه " « 1 » سياق الآية متحدث عن أولئك الأحبار الكاتمين ما أنزل اللّه سبحانه وتعالى ليشتروا به ثمنا قليلا ، وذلك أحط ما يمكن أن يصل إليه مشتغل بالعلم أو منتسب إليه ، فبيّن " البقاعيّ " أنّ التصريح بقوله سبحانه وتعالى ( في بطونهم ) يتناسب مع عطاء الحصر إذ يرفعان حسبان التجوز في الأكل أو النار ، فكلاهما حقيقة لا مجاز « 2 » فهي نار حقيقية تحرق
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 2 / 351 ( 2 ) - ثمّ أمر ذو بال في هذا متعلق بالقول بالتجوز في بعض كلمات القرآن الكريم أو تراكيبه يظن أنّ دلالته على ما كان حسيّا من معانيه دلالة حقيقية ، وما كان معنويا منها كانت دلالته مجازية ، كمثل ما هنا ، وكمثل العمى في قول اللّه تعالى : ( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى . . ) ) ( الإسراء : 73 ) وهذا مرده عند القائلين به حسبانهم أن الإنسان الأول لم يكن يستخدم الكلمات إلا في الدلالة الحسية ، فلمّا ارتقى حضاريّا أدرك المعنويات فاستعار لها من ألفاظ ما يشابهها في المحسوسات . . .