محمود توفيق محمد سعد

245

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

وقد علم من هذا التقرير أنّ كلّ جملة استؤنفت فهي علة لما قبلها ، وأنّ الأخيرة شارحة للازم العلم المحيط وهو القدرة التامة . . . فمن ادّعى شركة فليحفظ هذا الكون ، ولو في عام واحد من الأعوام وليعلم بما هو فاعل في ذلك العام ليصحّ قوله وأنّى له ذلك وأنّى ! ! ! واتضح بما تقرر له سبحانه وتعالى من العلو والعظمة أنّ الكافر به هو الظالم ، وأنّ يوم تجليه للفصل لا تكون فيه شفاعة ولا خلة ، وأمّا البيع فهم عنه في أشغل الشغل ، وإن كان المراد به الفداء فقد علم أنّه لا سبيل إليه ولا تعريج عليه . وبهذه الأسرار اتضح قول السيد المختار صلّى اللّه عليه وسلّم : " إنّ هذه الآية سيّدة آي القرآن " ( رواه الترمذي في صحيحه : فضائل القرآن : حديث : 2878 ) وذلك لما اشتملت عليه من أسماء الذّات والصفات والأفعال ، ونفي النقص وإثبات الكمال ، ووفت به من أدلة التوحيد على أتمّ وجه في أحكم نظام وأبدع أسلوب متمحضة لذلك . " « 1 » تبيّن لنا من تأويل البقاعي علائق الجمل العشر التي تكونت منها آية الكرسي ، وأنّ النظم الترتيبي لها قائم على منهاج التصاعد والتناسل ، وقد صرّح البقاعي في خاتمة تأويله أنّ كلّ جملة علّة لسابقته ومبينة ما هو مكنون فيما فبلها . في التّعليل معنى التناسل وفي التّبين معنى التّصاعد ؛ لأنّه تبيّن لا يقف عند شرح ما سبق وتبيينه بل هو يضيف إليه جديدا تأتي الأخرى فتقوم ببيانه ، فيتصاعد المعنى إلى ذروته ، وتكاثف أنوار الإبانة ، فلا يبقى غموض في معنى من معاني سيدة آي القرآن الكريم التي هي في الحقيقة خاتمة المعنى القرآني في سورة البقرة وما جاء من بعدها من الآيات إنّما هو بيان كما صرّح به " البقاعي " في مفتتح سورة " آل عمران " « 2 » * * * وإذا ما نظرت في " آية المداينة " أيضا رأيت أنها جملة قرآنية ( بيانية ) واحدة على الرغم من أنها أبسط آية في القرآن الكريم . ورأيت أسلوب الشرط بجملتيه هو الأساس الذي بني عليه بقية الآية ( الجملة البيانية )

--> ( 1 ) - نظم الدرر - 4 / 25 - 39 ( 2 ) - السابق : 4 / 198