محمود توفيق محمد سعد

246

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

ما رتب على أسلوب الشرط في المداينة جدّ عديد وفي آخر الآية أسلوب شرط في المبايعة ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) لم يعلّق به جملا عديدة كما علّقها في أسلوب الشرط في المداينة لما بين التصرفين الماليين من فروق قوله عزّ وجلّ ( أشهدوا ) هو في الحقيقة معطوف على أسلوب الشرط في أول الآية ، فالمعنى : يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ، وإذا تبايعتم فأشهدوا ) وهذا وجه من وجوه " الواو " التي يمكن أن نقول إنّها مما استأنف بما بعدها حديث عن البيع من بعد الانتهاء من الحديث عن المداينة ، لما بين التصرفين من علائق لطيفة ، فهو من عطف القصة على قصّة ذات رحم موصولة بينهما فيكون السياق الأبسط للمعنى القرآني ذا مراحل خمس : مرحلة الحديث عن الصدقات ( ي : 261 - 274 ) ومرحلة الحديث عن الربا ( ي : 275 - 281 ) ومرحلة الحديث عن المداينة ( ي : 282 ) ومرحلة الحديث عن المبايعة ( ي : 282 ) ومرحلة الحديث عن الرهن ( ي : 283 ) كان الحديث عن المرحلتين الأخيرتين موجزا وعن المراحل الثلاث الأولى مبسوطا وجعل الحديث عن الربا مكنوفا بالحديث عن تصرفين ماليين جليلين لا يعنى بحظه منهما من العباد إلا من كان عظيم الإيمان بالغيب : الإيمان بالبعث واليوم الآخر ، وذلك هو رأس المعنى الكليّ والمقصود الأعظم لسورة " البقرة " وضمّ الحديث عن المبايعة مع الحديث عن المداينة في آية واحدة من أنّ المداينة في وجه من وجوهها ضرب من ضروب المبايعة إلا أنّها مع اللّه سبحانه وتعالى فهو الذي تكفل بالمقابل ومن ثم حرمت الفائدة المأخوذة من المدين منّ أنّ عقد الدين في أصله عقد مع اللّه جلّ جلاله وليس مع المدين ، فاللّه تعالى متحمل عن المدين ما هو مقابل للدين ، ومن ثمّ كان ثواب القرض الحسن أعلى من ثواب الصدقة . وثمّ إشارة أخرى لأهل الإحسان : في كل مبايعة شرعية متأدبة بآداب النبوة مداينة روى البخاري بسنده عن جابر بن عبد اللّه أنّ النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا قال :