محمود توفيق محمد سعد
244
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
والراغبين من الأصدقاء . . . . بيّن سبحانه وتعالى صفة الآمر بما هو عليه من الجلال والعظمة ونفوذ الأمر . . . ولأجل هذه الأغراض ساق الكلام مساق جواب السؤال ، فكأنّه قيل : هذا ما لا يعرف من أحوال الملوك ، فمن الملك في ذلك اليوم ؟ فذكر آية الكرسيّ سيدة آي القرآن التي ما اشتمل كتاب على مثلها مفتتحا لها بالاسم العلم الفرد الجامع الذي لم يتسمّ به غيره ، وذلك لمّا تأهّل السّامع بعد التعرف بالكلام والتودّد بالأفعال لمقام المعرفة فترقّى إلى أوج المراقبة وحضرة المشاهدة فقال عائدا إلى مظهر الجلال الجامع لصفات الجلال والإكرام ؛ لأنّه من أعظم مقاماته ( اللّه ) أي هو الملك في ذلك اليوم . ثمّ أثبت له صفات الكمال منزها عن شوائب النقص مفتتحا لها بالتفرد فقال ( لا إله إلا هو ) . . . . ولمّا وحّد سبحانه وتعالى نفسه الشريفة أثبت استحقاقه لذلك بحياته ، وبيّن أنّ المراد بالحياة الأبديّة بوصف القيّومية فقال ( الحيّ . . . القيوم ) . . . ثمّ بيّن قيوميته وكمال حياته بقوله جلّ جلاله ( لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ . . . وَلا نَوْمٌ ) . . . ثمّ بيّن هذه الجملة بقوله عزّ وجلّ ( لَهُ . . . ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) . . . ثمّ بيّن ما تضمنته هذه الجملة بقوله منكرا على من ربّما توهم أنّ شيئا يخرج عن أمره ، فلا يكون مختصا به ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ . . . عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) أي بتمكينه ؛ لأنّ من لم يقدر أحد على مخالفته كان من البيّن أنّ كلّ شيء في قبضته ، وكلّ ذلك دليلا على تفرده بالإلهية . . . ثمّ بين جميع ما مضى بقوله عزّ وجلّ ( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ) . . . ولمّا بيّن قهره لهم بعلمه بيّن عجزهم عن كلّ شيء من علمه إلا ما أفاض عليهم بحلمه فقال جلّ جلاله : ( ولا يحيطون بشيء . . من علمه إلا بما شاء ) . . ثمّ بيّن ما في هذه الجملة من إحاطة علمه وتمام قدرته بقوله مصورا لعظمته وتمام علمه وكبريائه وقدرته بما اعتاد الناس في ملوكهم ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ . . السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) . . فبان بذلك ما قبله ؛ لأنّ من كان بهذه العظمة في هذا التدبير المحكم والصنع المتقن كان بهذا العلم وهذه القدرة التي لا يثقلها شيء ، ولذا قال عزّ وجلّ ( وَلا يَؤُدُهُ . . . حِفْظُهُما ) في قيوميته كما يثقل غيره . . . ولمّا لم يكن علوه وعظمته بالقهر والسلطان والإحاطة بالكمال منحصرا فيما تقدم عطف عليه قوله جلّ جلاله ( وَهُوَ . . الْعَلِيُّ . . الْعَظِيمُ ) كما أنبأ عن ذلك افتتاح الآية بالاسم العلم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى علوا وعظمة تتقاصر عنهما الأفهام لما غلب عليها من الأوهام . . .