محمود توفيق محمد سعد

243

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

أن نظرت في ما هو أعلى من مجال النظم الترتيبي بين الجمل لبناء الآية . الآية القرآنية قد تتشكل من مجموع جمل نحوية لكل جملة منها استقلالها الإعرابيّ ، ولكنّها برغم من ذلك لا يتم معنى الكلام إلا بمجموع هذه الجملة النحوية ، ولا يتأتى لك الوقوف على تمام المعنى البيانيّ من الكلام إلا بمجموع هذه الجملة النحوية . آية الكرسي إذا نظرت فيها ألفيتها تسع جمل نحوية أو عشر جمل إذا ما قلنا إنّ اسم الجلالة جملة حذف أحد ركنيها ودل عليه السؤال المقدر : لمن الملك اليوم ؟ وهو ما ذهب إليه البقاعي ، . المعنى النحوي في كل جملة لا يفتقر إلى السابق عليه عند النحاة وإن تناسل منه هذه الجمل النحوية هي عناصر جملة قرآنية ( بيانية ) واحدة ، فأنت لا تقف على المعنى القرآنيّ الكريم من هذه الآية من جملة نحوية واحدة ، فالمعنى القرآني البياني الذي جعل هذه الآية سيدة آي القرآن الكريم كما هدت إليه السنة لا تقوم به الجملة النحوية الأولى وحدها ( اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) بل لا بدّ من الإحاطة بكل الجمل التي بنيت عليها . الجملة النحوية الأولى هنا هي الجملة المفتاح والجملة الأساس الذي بنيت عليه بقية الجمل في بناء وتشكيل المعنى القرآني لهذه الجملة القرآنية . والبقاعي عنى بتأويل سيدة آي القرآن الكريم : آية الكرسي في تفسيره ، وأفرد لها كتابه : الفتح الكرسي في تفسير آية الكرسي ولننظر في تأويله النظم الترتيبيّ لجمل هذه الآية في تفسيره ، يقول : " لمّا ابتدأ سبحانه وتعالى الفاتحة ، كما مضى بذكر الذّات ، ثمّ تعرف بالأفعال ؛ لأنها مشاهدات ، ثمّ رقى الخطاب إلى التعريف بالصفات ، ثمّ أعلاه رجوعا إلى الذّات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة بصفة الكلام ، لأنها أعظم المعجزات وأبينها وأدلها على غيب الذات وأوقعها في النفوس لا سيما عند العرب ، ثمّ تعرف بالأفعال فأكثر منها فلمّا لم يبق لبس أثبت الوحدانية بآيتها السابقة مخللا ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام وأنواع الترغيب والترهيب في محكم الوصف والترتيب ، فلمّا تمت الأوامر وهالت تلك الزواجر وتشوقت الأنفس وتشوفت الخواطر إلى معرفة سبب انقطاع الوصل بانبتار الأسباب وانتفاء الشفاعة في ذلك اليوم إذ كان المألوف من ملوك الدنيا أنّهم لا يكادون يتمكنون من أمر من الأمور حقّ التّمكّن من كثرة الشفعاء