محمود توفيق محمد سعد
242
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
لعلّ سهولة تأويل النّظم التركيبيّ في بناء الجملة بالنّسبة إلى تأويل النظم الترتيبيّ للجمل المركبة في بناء الآية من أسبابه أنّ النظم التركيبي مرجعه موضوعيّ من العلاقات النحوية بين معاني الكلم ، وهو ما أطلق عليه عبد القاهر النظم « 1 » فمعاني النحو المتوخاة بين معاني الكلم في بناء الجملة أمر موضوعيّ متعين وإن تعددت الوجوه ، وما كان كذلك كان أمره أيسر بالنسبة إلى ما لم يكن مردّه إلى معيار موضوعي كالنظم التركيبيّ ، فإنّ مردّه سياقيّ قصديّ أي راجع إلى سياق الكلام على اتساع دوائره : دائرة بناء الآية ، ودائرة بناء المعقد ودائرة بناء السورة ودائرة بناء البيان القرآنيّ كله وكلّما اتسعت الدائرة كان لطف المسمع والمنظر ، فتباينت الأسماع والأنظار . الجملة التي ينظر في نظمها الترتيبيّ في بناء الآية قد تكون جملة مديدة تحتضن في رحمها جملا صغرى عديدة ترتبط بها ارتباطا تركيبيا عماده العلائق النحوية ، والذي يعنينا هنا هو علائق الجمل النحوية القائمة من النظم التركيبي لتشكّل بما بينها من نظم ترتيبيّ آية من آيات السورة ، فذلك هو الذي يكون فيه النظم الترتيبيّ . وهذا القائم بين الجمل في بناء الآية هو أضيق مجالات النظم الترتيبي الذي قد تتسع مجالاته لنظم الآيات في بناء المعاقد ونظم المعاقد في بناء السورة ، ثمّ نظم السور وترتيبها لتحقيق السياق الترتيليّ للقرآن الكريم المستفتح تلاوته بسورة الفاتحة والمختتم تلاوة بسورة النّاس ، وقد سبق
--> ( 1 ) - إذا ما كانت عناية عبد القاهر بالعلائق النحوية في بناء الجملة عناية جلية بالغة فليس معنى هذا أنه كان بالواقف عند ذلك غير متجاوزه أو الذاهب إلى أنّه ليس من وراء هذا المستوى من التعلق بين مكونات الكلام مستوى آخر بل إنك إذا نظرت في كتابه : ( دلائل الإعجاز ) رأيت موقفا له من بيان للجاحظ في مقدمة كتاب الحيوان يقول فيه : « جنبك اللّه الشبهة وعصمك من الحيرة . . . إلخ » لم يجعله من النظم الذي تجب به الفضيلة ( دلائل : ص 97 - 98 ) على الرغم من أنّ كلّ جملة قائمة من نظم تركيبي عال توخي فيها معاني النحو فيما بين معاني كلمها ، وإن افتقرت فيما بين الجمل إلى النظم الترتيبي الذي عماده السياق والغرض المنصوب له الكلام فأنت تملك تقديم جملة على جملة دون ان يتهدم البناء .