محمود توفيق محمد سعد
230
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
وقارئ تفسير البقاعي يلحظ غلبة ذهابه إلى العطف على مقدر ، وكأنّه يشير بهذا إلى أنّ القرآن الكريم إنما تشتد وثاقة المعاني اللازمة بما هي لازمة له من المعاني المصرح بها فيكتفى بدلالة هذه الوثاقة عن التصريح بذكر هذه المعاني اللازمة المعطوف عليه ما بعد المصرح به فيأتي بما بعد العاطف مردودا على مقدر هو في شدة اقتضاء البيان له كالمصرح بذكره . وبهذا يكون النسيج البياني لمعاني القرآن الكريم قائما على منهاج الحبك الذي تختفي فيه بعض خيوط الإبريسم في نسيج الديباج فلا تكاد تظهر للعين العارضة ولكنها تظهر للبصيرة النافذة ، ومن ثمّ ترى غلبة الذهاب إلى الإيجاز بالحذف عند البقاعي في تأويله نسق البيان القرآنيّ ، ولا سيما حذف المعطوف عليه المقدر من رحم المعنى في الجملة السابقة المصرح بذكرها . والبقاعي قد يذهب إلى عطف آية على أخرى تسبقها بأكثر من أربعين آية كما تراه في عطف قول اللّه سبحانه وتعالى وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( النحل : 65 ) على قول اللّه سبحانه وتعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ ( النحل : 19 ) يقول : " ولمّا انقضى الدليل على أنّ قلوبهم منكرة استكبارا وما يتعلق به ، وختمه بما أحيا به القلوب بالإيمان والعلم بعد موتها بالكفر والجهل ، وكان المقصود الأعظم من القرآن تقرير أصول أربعة : الإلهيات ، النبوات ، والمعاد ، وإثبات القضاء والقدر والفعل بالاختيار وكان أجلّ هذه المقاصد الإلهيات شرع في أدلة الوحدانية والقدرة والفعل بالاختيار المستلزم للقدرة على البعث على وجه غير المتقدم ليعلم أنّ أدلة ذلك أكثر من أوراق الشجر ، وأجلى من ضياء النهار ، فعطف على قوله سبحانه وتعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ قولا جامعا في الدليل بين العالم العلوي والعالم السفلي وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً . . . « 1 » وهذا قائم على أساس ما يعرف عند البلاغيين بعطف القصة على القصة وهو منهاج من مناهج علاقات المعاني ببعضها ، والبقاعي نفسه مؤكد ان منهاج العلائق بين المعاني في السورة القرآنية كمهاج علاقات فروع وأغصان وافنان الشجرة .
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 11 / 191