محمود توفيق محمد سعد

229

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ( آل عمران : من الآية 4 ) " ولمّا علم بذلك أمر القيوم سبحانه وتعالى بالحق والإيمان علم أنّ لمخالفي أمره من الأضداد المؤمنين الموصوفين ، وهم الكفرة المدعو بخذلانهم المنزّل الفرقان لمحو أديانهم - الويل والثبور ، فاتصل بذلك بقوله عزّ وجلّ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . . والآية على تقدير سؤال ممن كأنّه قال : ما ذا يفعل بمن أعرض عن الكتب الموصوفة ؟ أو يقال : إنّه لمّا قال : وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ أي الفارق بين الحق والباطل من الآيات والأحكام عليك وعلى غيرك من الأنبياء لم يبق لأحد شبهة فقال : " والأحسن من ذلك كلّه أنّه سبحانه وتعالى لما أنزل سورة " البقرة " على طولها في بيان أنّ الكتاب هدى للمتقين ، وبيّن أول هذه وحدانيته وحياته وقيوميته الدّالة على تمام العلم وشمول القدرة ، فأنتج ذلك صدق ما أخبر به سبحانه وتعالى أيد ذلك بالإعلام بأنّ ذلك الكتاب مع أنّه هاد إليه حقّ ، ودلّ على ذلك لمصادقته لما قبله من الكتب " « 1 » ونراه يذكر أكثر من وجه في عطف الآية على غيرها إشارة إلى تعدد وجوه الاعتلاق وأنها صالحة للتلاقي والتناسل من أكثر من آية سابقة عليها سواء قاربتها موقعا أو باعدتها ترى ذلك في تبيان المعطوف عليه في قول اللّه سبحانه وتعالى : وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ ( البقرة : 99 ) " ولمّا فرغ من ترغيبهم في القرآن بأنّه من عند اللّه سبحانه وتعالى ، وأنّه مصدق لكتابهم ، وفي جبريل عليه السّلام بأنّه الآتي به بإذن اللّه عزّ وجلّ ومن ترهيبهم ممن عداوتهم أتبعه مدح هذا القرآن ، وأنّه واضح الأمر لمريد الحقّ وإن كفر به منهم أو من غيرهم فاسق أي خارج عما يعرف من الحقّ فإنّه بحيث لا يخفى على أحد ، فقال تعالى عطفا على قوله فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ( ي : 97 ) ، أو قوله عزّ وجلّ : ( وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ( ي : 92 ) ، أو على ما تقديره : فلقد بان بهذا الذي نزّله جبريل عليه السّلام أنّ الآخرة ليست خالصة لهم ، وأنهم ممن أحاطت به خطيئته لكفره وَلَقَدْ أَنْزَلْنا . . . " « 2 »

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 4 / 214 ( 2 ) - نظم الدرر : 2 / 69