محمود توفيق محمد سعد

213

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

من هنا إلى آخرها ، وإلى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحثّ عليه من أمر النفقة ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) " « 1 » * * * وفي سورة " آل عمران " نجد مطلع السورة من أولها إلى آخر قول اللّه عزّ وجلّ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ( آل عمران : من الآية 4 ) " ففي هذا المطلع عناية بتصوير وتقرير معنى الوحدانية للّه سبحانه وتعالى والإخبار بأنّ رئاسة الدنيا غير مغنية في الدنيا ولا في الآخرة ، وذلك هو المقصود الأعظم من السورة ، وهو كما ترى ظاهر لك من قول اللّه جلّ جلاله في المطلع : ألم * اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ( آل عمران : 1 - 2 ) ومن قول اللّه عزّ وجلّ : . . . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ( آل عمران : 4 ) " فهاتان الجملتان تؤدّيان بالمقصود الأعظم للسورة لمن كانت له بصيرة في فقه بيان الذّكر الحكيم عن معانيه . * * * وفي سورة " النساء " تجد مطلع السورة من أولها إلى آخر قوله سبحانه وتعالى : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ( النساء : من الآية 1 ) فإن في هذا المطلع ما يصرح بمقصود السورة من نحو قوله جلّ جلاله : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وقوله سبحانه وتعالى : الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ وقوله جلّ جلاله : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً فهذه الجمل كالمصرحة بمعنى الاجتماع على أمر عظيم ، وأعظم ما يجتمع عليه هو توحيد اللّه سبحانه وتعالى ، وهو اجتماع يحقق معنى التواصل الرحمي الذي به قيام الوجود الإنساني ، وهذا هو المقصود الأعظم لسورة النساء ، ليبدأ تفصيل البيان عن هذا المقصود بقوله : " وآتوا اليتامى . . . إلخ " « 2 » وأنت ترى السورة قد قام فيها من الأحكام والآداب ما فيه تحقيق البناء المحكم المتراحم المتلاحم للأسرة والأمة ، فتجتمع على ما فيه مرضاة ربها عزّ وجلّ . والبقاعيّ يناظر استفتاح هذه السورة بقول اللّه تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ

--> ( 1 ) - السابق : 4 / 21 ( 2 ) - نظم الدرر 5 / 176