محمود توفيق محمد سعد

212

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

والإنفاق في سبيل اللّه عزّ وجلّ احتسابا إنّما هو ثمرة الإيمان بالغيب والإيمان بالآخرة إنّما هو إيمان بالغيب الذي لا سبيل إلى علم شيء منه إلا من إنباء الكتاب أو السنة . في الاستهلال جمل رئيسة مصرحة بالمقصود إذا ما وفّق المتدبّر إلى استبصارها كانت السبيل إلى فقه مقصود السورة الأعظم ملحّبا . ولذلك تراه في سورة البقرة يشير إلى أنّ الحث على الإنفاق قد ظهر جليّا في مواضع عدة من السورة . تراه يشير عند تأويله قول اللّه عزّ وجلّ : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( البقرة : 215 ) إلى أن في صدر السورة إشارة إلى النفقة ، قائلا : " ولمّا كانت النفقة من أصول ما بنيت عليه السورة من صفات المؤمنين [ المتقين ] ( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) ( البقرة : 3 ) ثمّ كرر الترغيب فيها في تضاعيف الآي إلى أن أمر بها في أول آيات الحج الماضية آنفا مع أنّها من دعائم بدايات الجهاد إلى أن تضمنتها الآية السالفة مع القتل الذي هو نهاية الجهاد كان هذا موضع السؤال عنهما فأخبر تعالى عن ذلك على طريق النشر المشوش . . . " « 1 » ومن البين أنّ الإنفاق احتسابا لوجه اللّه عزّ وجلّ إنما يتخلّق به من كان مؤمنا بالغيب ، وإلا لم يك إنفاقه احتسابا ، فكان باطلا في ميزان الشرع وهو يقرّر مثل هذا الذي نقلته عنه هنا في تأويله قول اللّه سبحانه وتعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( البقرة : 245 ) قائلا : " ولمّا كانت النفقة التي هي من أعظم مقاصد السورة أوثق دعائم الجهاد ، وأقوى مصدق للإيمان ومحقق لمبايعة الملك الديّان كرّر الحثّ عليها على وجه أبلغ تشويقا مما مضى . . . " « 2 » وعند تأويل قول اللّه سبحانه وتعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( البقرة : 254 ) يقول : " ولمّا كان الاختلاف على الأنبياء سببا للجهاد الذي هو حظيرة الدين ، وكان عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعا إلى أول السورة

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 3 / 212 ( 2 ) - نظم الدرر : 3 / 402