محمود توفيق محمد سعد
204
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
ووضوح تسميتها بالنّعم من كثرة ذكر النّعم والآلاء في هذه السورة وكان من سنة البيان عن هذه النعم نظمه على نحو دال على اختصاص الحقّ عزّ وجلّ بفعل ذلك من نحو قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ( النحل : 10 ) فمثل هذا التركيب : تعريف الطرفين " هو - الذي " مفيد للاختصاص فكأنّه قيل : ما أنزل من السماء ماء إلا هو ، هذا معنى من معاني " لا إله إلا اللّه " التي هي عنوان التوحيد والكمال المطلق ولو أنّا رغبنا في استقصاء الآيات الدالة على التوحيد إفصاحا وإفهاما في سورة النحل لأمكن أن تقول إنّ كل آية من آياتها تصريف بيانيّ لمعنى التوحيد لا تفاوت في الدلالة إلا في درجات بيانها : وضوحا وخفاء . * * * يتبين لك مما سبق أن البقاعي يقوم تأويله على أنّ لكلّ سورة معنى كليّا هو المهين على معانيها الجزئية هو منها بمثابة الأم من أبنائها ، وأنّ هذا المعنى الكلي هو المائز بين السور ، وأن في اسم كلّ سورة دلالة على مقصودها ، وهي دلالة منسولة من أنّ ذلك الاسم مرتبط ارتباطا وثيقا بذلك المعنى الكلّي المهيمن على تلك السورة ، ومن ثم لا يكون معيار التسمية أو باعثه هو أن ذلك الاسم قد ذكر في تلك السورة كما سبقت الإشارة إليه . إن الأمر مبعثه ومردّه إلى المعنى الكليّ المهيمن على تلك السورة وما هو مكنون في ذلك الاسم من الإشارة إلى ذلك المعنى الكليّ المهيمن . هذا لو استثمره نقّاد الشعر في عصر " البقاعي " وما بعده وبحثوا عن المعنى الكلي المهيمن على القصيدة واختاروا لها اسما دالا على ذلك المعنى المهيمن لكانوا فاتحين للنقد الأدبي طريقا وسيعا وسبيل بديعا * * *