محمود توفيق محمد سعد

205

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

المعلم الثالث تأويل البسملة على وفق مقصود السورة مما يقوم عليها منهاج تأويل القرآن الكريم عند البقاعي أنّ كلّ كلمة من القرآن الكريم إذا ذكرت مرة أخرى بحروفها في سياق آخر ، فإنّ الذي أعيد إنما هو ما ينطقه اللسان أما ما يعيه الجنان من ذلك المنطوق المعاد في سياق آخر ، فإنّه أمر آخر لم يسبق وعيه على النحو الذي هو عليه الآن وهذا ليس خاصا بالكلمة بل بالجملة والآية ، ومن ثمّ فإنّه ينظر إلى البسملة على أنها تحمل في مفتتح كل سورة جاءت فيها معنى غير الذي كانت تحمله في السورة السابقة . وهذا يعنى أنّ للسياق التي تقوم فيه البسملة أثرا عظيما في أن تحمل الكلمات والتراكيب من المعاني التي لا تخلق على كثرة الرد . يقول : " وأفسّر كلّ بسملة بما يوافق مقصود السورة ولا أخرج عن معاني كلماتها " « 1 » وهو في تأويله بسملة كلّ سورة إنما يعمد إلى الأسماء الحسنى الثلاثة : اللّه ، الرحمن ، الرحيم فيذكر مع كل اسم ما يتناسب مع مضمون سورة هذه البسملة شريطة التزامه مع اسم الجلالة الإشارة إلى معنى الجمع والإحاطة ، ومع اسمه " الرحمن " الإشارة إلى معنى العموم والاتساع ومع اسمه " الرحيم " الإشارة إلى معنى التخصيص . يقول في بسملة " آل عمران " : " ( بسم اللّه ) الواحد المتفرد بالإحاطة بالكمال ، ( الرحمن ) الذي وسعت رحمة إيجاده كلّ مخلوق وأوضح للمكلفين طريق النجاة ، ( الرحيم ) الذي اختار أهل التوحيد لمحل أنسه وموطن جمعه وقدسه " « 2 » تلحظ هنا أنه أشار إلى معنى الوحدانية والتفرد بالإحاطة بالكمال في تأويله اسم الجلالة ؛ لأن مقصود سورة " آل عمران " إثبات الوحدانية للّه سبحانه وتعالى ، والإخبار بأنّ رئاسة الدنيا غير مغنية . وأشار في تأويل " الرحمن " إلى معنى اتساع رحمة الإيجاد لكلّ مخلوق المشير إلى تفرده جلّ جلاله وأشار في تأويل " الرحيم " إلى معنى اختيار أهل التوحيد للقرب . وفي تأويله بسملة سورة " النساء " يقول :

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 19 ( 2 ) - نظم الدرر : 4 / 195