محمود توفيق محمد سعد
189
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
الغوائل والاستعطاف بذكر النعم شرع في ذكر قسم من الماحض هو كالمنافق في أنّه يعرف الحقّ ويخفيه فالمنافق ألف الكفر ، ثمّ أقلع عنه ، وأظهر التلبس بالإسلام ، واستمرّ على الكفر باطنا ، وهذا القسم كان على الإيمان بهذا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قبل دعوته ، فلمّا دعاهم محوا الإيمان الذي كانوا متلبسين به ، وأظهروا الكفر واستمرت حالتهم على إظهار الكفر وإخفاء المعرفة التي هي مبدأ الإيمان ، فحالهم كما ترى أشبه بحال المنافقين ، ولهذا تراهم مقرونين بهم في كثير من القرآن . وأخّرهم لطول قصّتهم وما فيها من دلائل النبوة وأعلام الرسالة بما أبدى مما أخفوه من دقائق علومهم ، فإنّ مجادلة العالم ترسل في ميادين العلم أفراس الأفكار ، فتسرع في أقطار الأوطار حتّى تصير كالأطيار وتأتي ببديع الأسرار . ولقد نشر سبحانه وتعالى في غضون مجادلتهم وغضون محاورتهم ومقاولتهم من الجمل الجامعة في شرائع الدين التي فيها بغية المهتدين ما أقام البرهان على أنّه هدى للعالمين . هذا إجمال الأمر . وفي تفاصيله كما سترى من بدائع الوصف أمور تجلّ عن الوصف تذاق بحسن التعليم ويشفي عيّ جاهلها بلطيف التكليم واللّه ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق " « 1 » وأنت ترى في الوجه الثاني تفصيلا ليس في الأول ييسر لك رؤية حركة المعنى القرآني في آيات ذلك المعقد من معاقد السورة . وفي إشارته إلى تعدد وجوه التناسب والتناسل ما يهدي إلى وثاقة الاعتلاق بين أجزاء السورة القرآنية ، وهذا شأن البيان العليّ لا يمنحك وجها واحدا من المعاني أو العطاء بل هو يكنز لك في بيانه ضروبا من معاني الهدى ويدع لك الاجتهاد في استخراج ما يتوافق مع قدرك تحريضا على متابعة الاجتهاد في الاستنباط ، وفي الوقت نفسه يدفع عنك غائلة الملل إذا ما أنت أخذت في كل محاولة اجتهادية ما أخذته في السابقة عليها ، ولكنك إذا ما لقيت في كل مرة من فيض العطاء غير ما لقيت في التي قبلها أقبلت إقبال المتطلع التائق المؤمّل . وفيه أن درجات العطاء تتعدد وتفاوت بتعدد المجاهدين في التدبر وتتفاوت بتفاوت أقدارهم .
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 308 - 309