محمود توفيق محمد سعد
190
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
والبقاعي من بعد أن يلقي إليك ما قام في صدره من وجهي التناسب والتناسل في آيات هذا المعقد الممهدة لآيات المعقد التالي له يعمد إلى أن يقيم بين يديك ما قام في صدر " أبي الحسن الحرالّيّ " من ذلك قائلا : " وقال " الحرالّيّ " ثمّ أقبل الخطاب على بني إسرائيل منتظما بابتداء خطاب العرب من قوله ( يا أيها الناس ) وكذلك انتظام القرآن إنما ينتظم رأس الخطاب فيه برأس خطاب آخر يناسبه في جملة معناه ، وينتظم تفصيله بتفصيله ، فكان أوّل وأولى من خوطب بعد العرب الذين هم ختام بنو إسرائيل الذين هم ابتداء ، بما هم أوّل من أنزل عليهم الكتاب الأول من التوراة التي افتتح اللّه تعالى بها كتبه تلو صحفه وألواحه . ثمّ قال : لمّا انتظم إقبال الخطاب على العرب التي لم يتقدّم لها هدى بما تقدّمه من الخطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم انتظم بخطاب العرب خطاب بني إسرائيل بما تقدّم لها من هدى في وقتها إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) ( المائدة : 44 ) وبما عهد إليها من تضاعف الهدى بما تقدّم لها في ارتقائها من كمال الهدى بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبهذا القرآن ، فكان لذلك الأولى مبادرتهم إليه حتى يهتدى بهم العرب ، ليكونوا أول مؤمن بما عندهم من علمه السابق . انتهى " « 1 » ما قام ببيانه " الحرالّيّ " فيه ما يهدي إلى السنة البيانية للقرآن الكريم في تنسيق المعاني وتقديم بعضها على بعض لما في ترتب الثاني على الأول وتناسله منه . وغير خفي عليك أنّ ما قام البقاعيّ ببيانه ولا سيّما الوجه الثاني فيه وشيجة انتساب إلى مقال " الحرالي " . والبقاعي " ما يزال في أثناء السور يجمل لك حركة المعنى في سياقها فتراه عند تأويله قول اللّه سبحانه وتعالى تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( البقرة : 252 ) يقول : " ولعلّ ختام قصص بني إسرائيل بهذه القصّة لما فيها للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من واضح الدلالة على صحة دعواه الرسالة ؛ لأنها مما لا يعلمه إلا القليل من حذّاق علماء بني إسرائيل
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 311