محمود توفيق محمد سعد

188

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

الدّاعي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان الحقّ من دعي بعد الأقارب وأولاه بالتقدم أهل العلم الذين كانوا على حقّ ، فزاغوا عنه ، ولا سيّما إن كانت لهم قرابة ؛ لأنّهم جديرون بالمبادرة إلى الإجابة بأدنى بيان وأيسر تذكير ، فإن رجعوا اقتدى بهم الجاهل ، فسهل أمره وانحسم شرّه ، وإن لم يرجعوا طال جدالهم ، فبان للجاهل ضلالهم ، فكان جديرا بالرجوع والكفّ عن غيّه والنزوع ، وعرفت من تمادي الكلام معهم الأحكام وبان الحلال والحرام ؛ فلذلك لمّا فرغ من دعوة العرب الجامعة لغيرهم باختصار ، وختم بأن وعد في اتباع الهدى وتوعّد شرع سبحانه وتعالى يخصّ العلماء من المنافقين بالذكر ، وهم من كان أظهر الإسلام من أهل الكتاب على وجه استلزام عموم المصارحين منهم بالكفر ، إذ كانوا من أعظم من خصّ بإتيان ما أشار إليه من الهدى والبيان بما فيه الشفاء ، وكان كتابهم المشتمل على الهدى من أعظم الكتب ، وأشهرها وأجمعها ، فقصّ عليهم ما مثله يليّن الحديد ، ويخشع الجلاميد ، فقال تعالى مذكرا لهم بنعمه الخاصة بهم ( يا بني إسرائيل ) " « 1 » وهو من بعد أن يفرغ من تبيان تسلسل المعاني في المعقد الأول من معاقد السورة وكيف أنه قد تناسل منه الحديث في المعقد الثاني المبدوء بقول اللّه سبحانه وتعالى : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( البقرة : 40 ) يقرر وجها آخر من وجوه التناسب والتناسل قائلا : " ويجوز أن تقرر المناسبات من أول السورة على وجه آخر ، فيقال : لمّا كان الكفّار قسمين : قسم محض كفره وقسم شابه بنفاق وخداع ، وكان الماحض قسمين : قسم لا علم له من جهة كتاب سبق وهم مشركو العرب ، وقسم له كتاب يعلم الحقّ منه ، ذكر تعالى قسم الماحض بما يعمّ قسميه : العالم والجاهل ، فقال عزّ وجلّ " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( البقرة : 6 ) ثمّ أتبعه قسم المنافقين ؛ لأنّهم أهمّ بسبب شدة الاختلاط بالمؤمنين ، وإظهارهم انّهم منهم ليكونوا من خداعهم على حذر ، فقال عزّ وجلّ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( البقرة : 8 ) ولمّا فرغ من ذلك استتبعه من الأمر بالوحدانية ، وإقامة دلائلها وإفاضة فضائلها ، ومن التعجيب ممن كفر مع قيام الدلائل ، والتخويف من تلك

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 307 - 308