محمود توفيق محمد سعد
187
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
بعد أنيق الورق بأفنان الدرّ وأفنانها منعطفة إلى تلك المقاطع كالدوائر ، وكلّ دائرة منها لها شعبة متصلة بما قبلها ، وشعبة ملتحمة بما بعدها ، وآخر السورة قد واصل أولها كما لاحم انتهاؤها ما بعدها ، وعانق ابتداؤها ما قبلها ، فصارت كلّ سورة كدائرة كبرى مشتملة على دوائر الآيات الغرّ البديعة النظم العجيبة الضمّ بلين تعاطف أفنانها وحسن تواصل ثمارها وأغصانها " « 1 » هو في هذا منطلق من القاعدة الكلية التي أرشده إليه شيخه " أبو الفضل المشداليّ المغربي " والتي نصّ عليها في مفتتح تأويله سورة " الفاتحة " قائلا : " الأمر الكلّي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنّك تنظر إلى مراتب تلك المقدّمات في القرب والبعد من المطلوب ، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستبعته من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له التي تقتضي البلاغة شفاء العليل بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها . فهذا هو الأمر الكلّيّ المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن ، وإذا فعلته تبين لك إن شاء اللّه تعالى وجه النظم مفصلا بين كلّ آية وآية في كلّ سورة وسورة ، واللّه الهادي " « 2 » وإذا ما كان في تفسيره ( نظم الدرر ) يستفتح القول في تأويل سورة " البقرة " بقوله : " مقصودها الأعظم : إقامة الدليل على أنّ الكتاب هدى ليتبع في كل ما قال ، وأعظم ما يهدي إليه الإيمان بالغيب ، ومجمعه الإيمان بالآخرة ، فمدار الإيمان بالبعث الذي أعربت عنه قصة البقرة التي مدارها الإيمان بالغيب . . . " « 3 » تجده من بعد فراغه من تأويل البيان وتناسبه في قول اللّه سبحانه وتعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( البقرة : 39 ) يقف مليّا لينظر في تناسب آيات السورة من أولها إلى أول هذا المعقد وهو يقدم لنا وجهين من تقرير المناسبات بين آيات هذا المعقد ، فيقول : " ولمّا أقام سبحانه وتعالى دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أولا ، وعقبها بذكر الإنعامات العامة داعيا للناس عامة [ يقصد قول اللّه عزّ وجلّ : يأيّها النّاس اعبدوا ربّكم . . . الآية 21 ] لا سيّما بني إسماعيل : العرب الذين هم قوم
--> ( 1 ) - مصاعد النظر : 1 / 149 ( 2 ) - نظم الدرر : 1 / 17 - 18 ( 3 ) - السابق : 1 / 55