محمود توفيق محمد سعد

186

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

ويفيد ذلك معرفة المقصود من جميع جملها » « 1 » هو كما ترى يجعل العرفان بمقصود السورة أساس الإجادة في فقه تناسب القرآن الكريم من حيث العرفان بعلل ترتيب أجزاء البيان القرآنيّ بدأ من الكلمة في الجملة وانتهاء بالسّورة ، وفي الوقت نفسه يعود ذلك بالنفع الجليل على معرفة المقصود من جمل السورة بفقه نظمها التركيبي . وهذا يجعل المؤوّل للبيان القرآني الكريم قائما في مقام الحركة الترددية بين تأمل وتذوق الجزء وتدبر وتذوق الكلّ ، فكلّما زدت البيان القرآني نظرا في جزء منه زادك اقتدارا على عرفان المقصود الأعظم وكلّما زدت المقصود الأعظم نظرا زادك فهما لبيان النظم التركيبي للجملة . ذلك ما تراه من بيان " البقاعيّ " منزل العرفان بمقاصد السّور في إتقان تأويل البيان القرآنيّ المجيد . وإذا ما نظرت في موقع بيانه مقصود السورة ، فإنّك ترى الغالب عليه أنّه يستفتح القول بذكر مقصود السورة من قبل ذكر اسمها كما تراه في تأويله سورة " البقرة " وسورة " النساء " ، و " المائدة " ، و " الأنعام " ، و " الأعراف " و " التوبة " ، و " يونس " . وقد يستفتح الكلام بتأويل " البسملة " من قبل ذكر مقصود السورة ، كما في سورة " آل عمران " و " إبراهيم " . وقد يستفتحه بذكر اسم السورة ، وتأويل البسملة ، كما في سورة " الأنفال " و " الملك " و " القلم " و " المعارج يبقى أن تنظر في منهاجه في تبيان ذلك المقصود لترى أنّه يتخذ منهاجا قائما على السعي إلى تحرير المعنى الكلّىّ الذي يسري في معاقد السورة المكوّنة لمعانيها الكلّيّة القائمة من المعاني الجزئية المصوّرة ببيان نظم الجملة والآية . في كتابه " مصاعد النظر " يقرر أنّ « كلّ سورة لها مقصد واحد يدار عليه أولها وآخرها ، ويستدلّ عليها فيها ، فترتب المقدمات الدّالة عليه على أتقن وجه وأبدع نهج وإذا كان فيها شيء يحتاج إلى دليل استدلّ عليه ، وهكذا في دليل الدليل ، وهلمّ جرّا ، فإذا وصل الأمر إلى غايته ختم بما منه كان ابتداء ، ثمّ انعطف الكلام إليه ، وعاد النظر عليه ، على نهج بديع ومرقى غير الأول منيع ، فتكون السورة كالشجرة النضيرة العالية والدوحة البهيجة الأنيقة الحالية المزيّنة بأنواع الزينة المنظومة

--> ( 1 ) - نظم الدرر : ج 1 ص 5 - 6